الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٣٢٦
..........
قال: مهما عبدتم شيئا، فإنى لا أعبده، و الشرط يحول المستقبل إلى لفظ الماضى، تقول: إذا قام زيد غدا فعلت كذا، و إن خرج زيد غدا خرجت، فما: فيها رائحة الشرط من أجل إبهامها؛ فلذلك جاء الفعل بعدها بلفظ الماضى، و لا يدخل الشرط على فعل الحال، و لذلك قال فى أول السورة: ما تعبدون؛ لأنه حال لأن رائحة الشرط معدومة فيها مع الحال، و كذلك رائحة الشرط معدومة فى قوله: عابدون ما أعبد؛ لأنه- (عليه السلام)- يستحيل أن يتحول عن عبادة ربه؛ لأنه معصوم، فلم يستقم تقديره بمهما، كما استقام ذلك فى حقهم؛ لأنهم فى قبضة الشيطان يقودهم بأهوائهم؛ فجائز أن يعبدوا اليوم شيئا، و يعبدوا غدا غيره، و لكن مهما عبدوا شيئا، فالرسول (عليه السلام) لا يعبده؛ فلذلك قال:
و لا أنتم عابدون ما أعبد فى الحال و فى المال، لما علم من عصمة اللّه له، و لما علم اللّه من ثباته على توحيده، فلا مدخل لمعنى الشرط فى حقه (عليه السلام)، و إذا لم يدخل الشرط فى الكلام بقى الفعل المستقبل على لفظه، كما تراه، و نظير هذه المسألة قوله تعالى: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا اضطربوا فى إعرابها و تقديرها لما كانت من بمعنى الذي، و جاء بكان على لفظ الماضى، و فهمها الزجاج، فأشار إلى أن من فيها طرف من معنى الشرط؛ و لذلك جاءت كان بلفظ المعنى بعده، فصار معنى الكلام: من يكن صبيا، فكيف يكلم؟! لما أشارت إلى الصبى: أن كلّموه، و لو قالوا: كيف نكلّم من هو فى المهد الآن لكان الإنكار و التعجب مخصوصا به، فلما قالوا: كيف نكلم من كان، صار الكلام أبلغ فى الاحتجاج للعموم الداخل فيه. إلى هذا الغرض أشار أبو إسحاق، و هو الذي أراد، و إن لم يكن هذا لفظه، فليس المقصود العبارات،