الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٣٥١
..........
قول من جعل الدوام و البقاء معنى زائدا على الذات، و هو قول الأشعرى، و إنما الحق على الحقيقة من لا يجوز عليه الزوال، و هو القديم [١] الذي انعدامه محال؛ و لذلك قال (عليه السلام): أنت الحق بالألف و اللام، أى المستحق لهذا الاسم على الحقيقة، و قولك الحق؛ لأن قوله قديم، و ليس بمخلوق فيبيد، و وعدك الحق، كذلك، لأن وعده كلامه، هذا مقتضى الألف و اللام، ثم قال: و الجنة حق، و النار حق بغير ألف و لام، و لقاؤك حق كذلك؛ لأن هذه أمور محدثات و المحدث لا يجب له البقاء من جهة ذاته، و إنما علمنا بقاءها من جهة الخبر الصادق الذي لا يجوز عليه الخلف، لا من جهة استحالة البقاء عليها، كما يستحيل على القديم- سبحانه- الذي هو الحق، و ما خلاه باطل، فإمّا جوهر و إما عرض، و ليس فى الأعراض إلا ما يجب له الفناء، و لا فى الجواهر إلا ما يجوز عليه الفناء و البطول، و إن بقى و لم يبطل فجائز أن يبطل. و أما الحق- سبحانه-
[١] لم يرد فى قرآن و لا سنة وصف اللّه بالقدم، و إنما ورد فى القرآن وصفه بأنه الأول. أما القدم فكانت صفة للضلال: (قالُوا: تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ) يوسف: ٩٥ و للعرجون: (وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) يس: ٣٩ و الإفك: (وَ إِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ، فَسَيَقُولُونَ: هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ) الأحقاف: ١١ و الآباء الضالين السابقين: (قالَ: أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ) الشعراء: ٧٦ و لا يجوز وصف اللّه بصفة هذا استعمالها و هذه مواردها فى القرآن الكريم، كما لا يجوز أن يسمى اللّه أو يوصف إلا بما سمى و وصف به نفسه، و لو وضعت صفة أنه «الأول» بدلا من قديم لاستراح الفكر البشرى من هذا الجدل المحموم الذي استمر حتى الآن حول صفة القدم و مدلولها و نسبتها إلى اللّه و العالم. فلا ينكر حتى زنادقة الفلسفة و ملحدو الإشراقية أنه سبحانه هو: الأول.