الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٤٠٥
..........
أرواحهم بما فيه حياتهم من العلم، و كثرة أتباعه فى الآخرة ليسقيهم من حوضه ما فيه الحياة الباقية، و عدوّ اللّه العاصى على هذا هو الأبتر على الحقيقة، إذ قد انقطع ذنبه و أتباعه، و صاروا تبعا لمحمد- (صلى الله عليه و سلم)- و لذلك قوبل تعييره للنبى- (صلى الله عليه و سلم)- بالبتر بما هو ضده من الكوثر؛ فإن الكثرة تضاد معنى القلّة، و لو قال فى جواب اللعين: إنا أعطيناك الحوض الذي من صفته كذا و كذا لم يكن ردا عليه، و لا مشاكلا لجوابه، و لكن جاء باسم يتضمن الخير الكثير؛ و العدد الجمّ الغفير المضادّ لمعنى البتر، و أن ذلك فى الدنيا و الآخرة بسبب الحوض المورود الذي أعطاه، فلا يختص لفظ الكوثر بالحوض، بل يجمع هذا المعنى كله، و يشتمل عليه، و لذلك كانت آنيته كعدد النّجوم [١]، و يقال: هذه الصفة فى الدنيا: علماء الأمة من أصحابه و من بعدهم، فقد قال: أصحابى كالنّجوم [٢]، و هم يروون العلم عنه، و يؤدونه
[١] فى حديث متفق عليه: «حوضى مسيرة شهر، و زواياه سواء، ماؤه أبيض من اللبن، و ريحه أطيب من المسك، و كيزانه كنجوم السماء من يشرب منها فلا يظمأ أبدا». كما وردت مسألة الكيزان هذه فى روايتين عند مسلم، إحداهما عن أبى هريرة، و الأخرى عن أنس. و لكن لنذكر مع هذا حديثا آخر: «قال رسول اللّه «ص»: «إنى فرطكم على الحوض، من مر على شرب، و من شرب لم يظمأ أبدا، ليردن على أقوام أعرفهم، و يعرفوننى، ثم يحال بينى و بينهم، فأقول إنهم منى، فيقال: إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن غير بعدى» متفق عليه.
[٢] فى حديث رواه رزين: «أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» و قد قال عنه المحدث الفاضل الشيخ محمد ناصر الألبانى: «حديث باطل، و إسناده واه جدا».
ص ٢١٩ ج ٣ مشكاة المصابيح.