الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٤٢١
..........
..........
- الوحى كما دلت عليه سائر الأحاديث. و منهم من قال: بل ثلاث مرات، مرة قبل الوحى، و مرتين بعده، و كل هذا خبط، و هذه طريقة ضعفاء الظاهرية من أرباب النقل الذين إذا رأوا فى القصة لفظة تخالف سياق بعض الروايات جعلوها مرة أخرى، فكلما اختلفت عليهم الروايات عددوا الوقائع. و الصواب الذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة. و يا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه مرارا كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه فى كل مرة تفرض عليه الصلاة خمسين، ثم يتردد بين ربه و بين موسى، حتى تصير خمسا، ثم يقول: أمضيت فريضتى، و خففت عن عبادى، ثم يعيدها فى المرة الثانية إلى خمسين، ثم يحطها عشرا عشرا؟! و قد غلط الحفاظ شريكا فى ألفاظ من حديث الإسراء، و مسلم أورد المسند منه، ثم قال: فقدم و أخر، و زاد و نقص، و لم يسرد الحديث، و أجاد (رحمه اللّه)» ص ١٣٠ ح ٢ زاد المعاد ط السنة المحمدية.
و عن المعراج يقظة أو مناما يقول الإمام الجليل أيضا: «و قد نقل عن ابن إسحاق عن عائشة و معاوية أنهما قالا: إنما كان الإسراء بروحه، و لم يفقد جسده.
و نقل عن الحسن البصرى نحو ذلك، و لكن ينبغى أن يعلم الفرق بين أن يقال:
كان الإسراء مناما، و بين أن يقال: كان بروحه دون جسده، و بينهما فرق عظيم، و عائشة و معاوية لم يقولا: كان مناما، و إنما قالا: أسرى بروحه، و لم يفقد جسده. و فرق بين الأمرين، فإن ما يراه النائم قد يكون أمثالا مضروبة للمعلوم فى الصور المحسوسة، فيرى كأنه قد عرج به إلى السماء، أو ذهب به إلى مكة و أقطار الأرض، و روحه لم تصعد، و لم تذهب، و إنما ملك الرؤيا ضرب له المثال.
و الذين قالوا: عرج برسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- طائفتان، طائفة قالت:
عرج بروحه و بدنه، و طائفة قالت: عرج بروحه، و لم يفقد بدنه، و هؤلاء لم يريدوا أن المعراج كان مناما، و إنما أرادوا أن الروح ذاتها أسرى بها، و عرج بها حقيقة، و باشرت من جنس ما تباشر بعد المفارقة، و كان حالها فى ذلك كحالها بعد المفارقة فى صعودها إلى السماوات سماء سماء، حتى ينتهى بها-