الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٤٦٤
..........
الولد عند بلوغه خلاف ما حكم به الحاكم لم يحل له بهذا الحكم ما حرّم اللّه عليه من أكل الحرائب و الاطلاع على العورات، و فى هذا ردّ لمذهب أبى حنيفة من قوله: إن حكم الحاكم قد يحل ما يعلم أنه حرام مثل أن يشهد شاهدان على رجل أنه طلّق، و هما يعلمان أنه لم يطلق فيقبل القاضى شهادتهما فيطلق المرأة على الرجل، فإذا بانت منه كان لأحد الشاهدين أن ينكحها مع علمه بأنه قد شهد زورا، لم يقل أبو حنيفة بهذا القول فى الأموال لقول النبيّ (عليه السلام) «إنما أنا بشر و إنكم تختصمون إلىّ، و لعلّ أحدكم أن يكون ألحن بحجّته من صاحبه، فأقضى له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حقّ أخيه، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار [١]» ففى هذا الحديث مع الذي تقدم ردّ لمذهبه، و لا حجة له فى أن يقول ذلك مخصوص بالأموال من وجهين: أحدهما: أن أن القياس أصل من أصوله، و قياس المسألتين واحد، الثانى: أنه قال من حق أخيه، و لم يقل من مال أخيه، و هذا لفظ يعم الحقوق كلها قال المؤلف: و عندى أن أبا حنيفة (رحمه اللّه): إنما بنى هذه المسألة على أصله فى طلاق المكره، فإنه
[١] رواه الجماعة. و معنى ألحن: أبلغ كما وقع فى الصحيحين أى: أحسن إيرادا للكلام، و لا بد من تقدير محذوف لتصحيح معناه. و هو أى و هو كاذب، و يسمى هذا عند علماء الأصول: دلالة اقتضاء، لأن اللفظ الظاهر المذكور يقتضى هذا المحذوف، و قد يكون معناه: أعرف بالحجة، و أقطن لها من غيره و يقال: لحنت لفلان إذا قلت له قولا يفهمه، و يخفى على غيره لأنك تميله بالتورية عن الواضح المفهوم، فاللحن: الميل عن جهة الاستقامة، يقال: لحن فلان فى كلامه: إذا مال عن صحيح المنطق. و فى رواية «و لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضى بنحو مما أسمع»