الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٤١٩
..........
ما يَرى) و لم يقل: ما قد رأى، فدل على أن ثمّ رؤية أخرى بعد هذه، ثم قال:
(و لقد رآه نزلة أخرى) أى: فى نزلة نزلها جبريل إليه مرة، فرآه فى صورته التي هو عليها (عند سدرة المنتهى، إذ يغشى السّدرة ما يغشى) قال: يغشاها فراش من ذهب، و فى رواية: ينتثر منها الياقوت، و ثمرها مثل قلال هجر [١] ثم قال: (ما زاغَ الْبَصَرُ) و لم يقل: الفؤاد، كما قال فى التي قبل هذه، فدل على أنها رؤية عين و بصر فى النّزلة الأخرى، ثم قال:
(لقد رأى من آيات ربّه الكبرى) [٢]، و إذا كانت رؤية عين؛ فهى من الآيات الكبرى، و من أعظم البراهين و العبر، و صارت الرؤيا الأولى بالإضافة إلى الأخرى ليست من الكبر؛ لأن ما يراه العبد فى منامه دون ما يراه فى يقظته لا محالة، و كذلك قال فى أكثر الأحاديث إنه رأى عند سدرة المنتهى نهرين ظاهرين، و نهرين باطنين، و أخبره جبريل أن الظاهرين: النيل و الفرات، و ذكر فى حديث أنس أنه رأى هذين النهرين فى السماء الدنيا، و قال له الملك: هما النيل و الفرات، أصلهما و عنصرهما، فيحتمل أن يكون رأى فى حال اليقظة منبعهما، و رأى فى المرة الأولى النهرين دون أن يرى أصلهما و اللّه أعلم. فقد جاء فى تفسير قوله تعالى: (و أنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكنّاه فى الأرض) المؤمنون: ١٨ أنهما النيل و الفرات أنزلا من الجنة
[١] قرية كانت من قرى المدينة، و ليست هجر البحرين، و كانت تعمل بها القلال تأخذ الواحدة منها مزادة من الماء، سمّيت قلة لأنها ترفع و تحمل.
[٢] الآيات السابقة كلها من سورة النجم.