الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٤١١
..........
يسخر به، و من سخر عقولهم. فإن قلت: فقد قال اللّه تعالى: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ»، قلنا: العرب تسمى الجزاء على الفعل باسم الفعل كما قال تعالى: (نسوا اللّه فنسيهم) و هو مجاز حسن [١] و أما الاستهزاء الذي كنّا بصدده، فهو المسمى استهزاء حقيقة، و لا يرضى به إلا جهول. ثم قال سبحانه: (فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون) أى حاق بهم من الوعيد المبلّغ لهم على ألسنة لرسل ما كانوا يستهزءون به بألسنتهم، فنزلت كل كلمة منزلها، و لم يحسن فى حكم البلاغة وضع واحدة مكان الأخرى. و ذكر أيضا قوله سبحانه: (و لو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا) أى: لو جعلنا الرسول إليهم من الملائكة لم يكن إلا على صورة رجل، و لدخل عليهم من اللّبس فيه ما دخل فى أمر محمّد و قوله: لبسنا يدل على أن الأمر كله منه سبحانه، فهو يعمى من شاء عن الحق، و يفتح بصيرة من شاء، و قوله: ما يلبسون، معناه: يلبسون على غيرهم، لأن أكثرهم قد عرفوا أنه الحقّ، و لكن جحدوا بها، و استيقنتها أنفسهم، فجعلوا، يلبسون أى يلبس، بعضهم على بعض و يلبسون على أهليهم و أتباعهم، أى: يخلطون عليهم بالباطل، تقول العرب: لبست عليهم
[١] سبق التعليق على مثل هذا. و النسيان هنا حقيقة لا مجاز، لأن أصل النسيان- كما يقول ابن الأثير: الترك. و يقول ابن فارس فى معجمه عن أصل المادة إنها أصلان: أحدهما يدل على إغفال الشيء، و الثانى: على ترك الشيء، فيكون المعنى: تركوا اللّه فتركهم، هذا لأن دعوى المجاز فيما يتعلق بأسماء اللّه و صفاته و أفعاله دعوى تجمع بين الحماقة و الجرأة و القول على اللّه بغير علم. و لا سيما و أنه لم يرد عن خاتم النبيين محمد (صلى الله عليه و سلم) شيء من هذا.