الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٣٢٥
..........
يعبدون الأصنام، و قوله: وَ لا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ اقتضاها الإبهام، و تعظيم المعبود مع أن الحس منهم مانع لهم أن يعبدوا معبوده كائنا ما كان، فحسنت ما فى هذا الموضع لهذه الوجوه، فبهذه القرائن يحسن وقوع ما على أولى العلم [١] و بقيت نكتة بديعة يتعين التنبيه عليها، و هو قوله تعالى: وَ لا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ بلفظ الماضى، ثم قال: وَ لا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ بلفظ المضارع فى الآيتين جميعا، إذا أخبر عن نفسه قال: ما أعبد، و لم يقل: ما عبدت، و النكتة فى ذلك أن ما لما فيها من الإبهام- و إن كانت خبرية- تعطى معنى الشرط، فكأنه
[١] يعبر ابن القيم عن «ما» فى قوله: «لا أعبد ما تعبدون، ما على بابها، لأنها رافعة على معبوده «ص» على الإطلاق؛ لأن امتناعهم من عبادة اللّه ليس لذاته، بل كانوا يظنون أنهم يعبدون اللّه، و لكنهم كانوا جاهلين به، فقوله:
«و لا أنتم عابدون ما أعبد» أى: لا أنتم تعبدون معبودى، و معبوده هو «ص» كان عارفا به دونهم، و هم جاهلون به ... و قال بعضهم: إن ما هنا مصدرية لا موصولة. أى: لا تعبدون عبادتى، و يلزم من تنزيههم «لعلها تبرئته بدليل ما سيأتى» عن عبادته. تنزيههم «لعلها كالسابقة» عن المعبود، لأن العبادة متعلقة به، و ليس هذا بشيء؛ إذ المقصود براءته من معبوديهم و إعلامه أنهم بريئون من معبوده تعالى، فالمقصود: المعبود لا العبادة، ثم قال «و عندى وجه: و هو أن المقصود هنا ذكر المعبود الموصوف بكونه أهلا للعبادة مستحقا لها، فأتى بما الدالة على هذا المعنى، كأنه قيل: و لا أنتم عابدون معبودى الموصوف بأنه المعبود الحق، و لو أتى بلفظة من لكانت إنما تدل على الذات فقط، و يكون ذكر الصلة تعريفا، لا أنه هو جهة العبادة، ففرق بين أن يكون كونه تعالى أهلا لأن يعبد تعريف محض، أو وصف مقتض لعبادته .. و هذا معنى قول محققى النحاة أن ما تأتى لصفات من يعلم ص ١٣٣ ح ١ بدائع الفوائد لابن القيم و ما بعدها. و قد ذكر وجوها أخرى عظيمة أيضا