الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٣٢٣
..........
أحدهما: أنه علم أنهم لا يفعلون، فأخبر بما علم. الثانى: أنهم لو عبدوه على الوجه الذي قالوه ما كانت عبادة، و لا يسمى عابدا للّه من عبده سنة، و عبد غيره أخرى، فإن قيل: كيف قال: وَ لا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ و لم يقل: من أعبد، و قد قال أهل العربية: إن ما تقع على ما لا يعقل، فكيف عبّر بها عن البارى تعالى؟
فالجواب: أنا قد ذكرنا فيما قبل أن ما قد تقع على من يعقل بقرينة، فهذا أوان ذكرها، و تلك القرينة: الإبهام و المبالغة فى التعظيم و التفخيم، و هى فى معنى الإبهام [١] لأن من جلّت عظمته، حتى خرجت عن الحصر، و عجزت الأفهام عن كنه ذاته، وجب أن يقال فيه: هو ما هو كقول العرب: سبحان ما سبّح الرعد بحمده، و منه قوله: وَ السَّماءِ وَ ما بَناها [٢] فليس كونه عالما مما يوجب له من التعظيم ما يوجب له أنه بنى السموات، و دحا الأرض، فكان المعنى: إنه
[١] ما: اسم مبهم غاية الإبهام حتى إنها تقع على كل شيء، و تقع على ما ليس بشيء. فيجوز أن تقول: إن اللّه يعلم ما كان، و ما لم يكن
[٢] و يقول ابن القيم عن هذا: «لأن القسم تعظيم للمقسم به، و استحقاقه للتعظيم من حيث ما أظهر هذا الخلق العظيم الذي هو السماء. و من حيث سواها و زينها بحكمته فاستحق التعظيم. و ثبت قدرته، فلو قال: و من بناها لم يكن فى اللفظ دليل على استحقاقه القسم من حيث اقتدر على بنائها، و لكان المعنى مقصورا على ذاته و نفسه، دون الإيماء إلى أفعاله الدالة على عظمته المنبئة عن حكمته، المفصحة باستحقاقه للتعظيم من خليقته، و كذلك قولهم: سبحان ما يسبح الرعد بحمده، لأن الرعد صوت عظيم من جرم عظيم، و المسبح به لا محالة أعظم، فاستحقاقه للتسبيح من حيث يستحقه العظيمات من خلقه، لا من حيث كان يعلم، و لا تقل يعقل فى هذا الموضع».