الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٢١٩
..........
و هى نفسه، فأما إذا دفع عن نفسه بنفس أخرى، فلا رخصة، و اختلف فى الإكراه على الزّنا، فذكر عن ابن الماجشون أنه قال: لا رخصة فيه؛ لأنه لا ينتشر له إلا عن إرادة فى القلب أو شهوة، و أفعال القلب لا تباح مع الإكراه، و قال غيره: بل يرخص فى ذلك لمن خاف القتل، لأن انبعاث الشهوة عند المماسّة بمنزلة انبعاث اللعاب عند مضغ الطعام، و قد يجوز أكل الحرام إذا أكره عليه.
فصل: و اختلف الأصوليون فى مسئلة من الإكراه، و هى: هل المكره على الفعل مخاطب بالفعل، أم لا؟ فقالت المعتزلة: لا يصح الأمر بالفعل مع الإكراه عليه، و قالت الأشعرية: ذلك جائز؛ لأن العزم إنما هو فعل القلب، و قد يتصور منه فى ذلك الحين العزم و النية، و هى القصد إلى امتثال أمر اللّه تعالى، و إن كان ظاهره أنه يفعله خوفا من الناس، و ذلك إذا أكره على فرض كالصلاة مثلا، إذا قيل:
صلّ و إلا قتلت، و أما إذا قيل له: إن صليت قتلت، فظن القاضى أن الخلاف بيننا، و بين المعتزلة فى ذلك، و غلطه بعض أصحابه، و قالوا: لا خلاف فى هذه المسألة أنه مخاطب بالصلاة مأمور بها، و إن رخص له فى تركها، فليس الترخيص مما يخرجه عن حكم الخطاب، و إنما يرفع عنه الإكراه المأثم، و لا يخرجه عن أن يكون مخاطبا بها، و هذا الغلط المنسوب إلى القاضى فى هذه المسألة ليس بقول له، و إنما حكاه فى كتاب التقريب و الإرشاد عن طائفة من الفقهاء. قالوا: لا يتصور القصد و الإرادة للفعل مع الإكراه عليه. قال القاضى:
و هذا باطل؛ لأنه يتصور انكفافه عنه مع الإكراه، فكذلك يتصور منه القصد إلى الامتثال له، و به يتعلق التكليف، فإنما غلط من نسب إليه من الأصوليين