الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ١٩٧
إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كلّ رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرّقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرّقوا.
فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان فى بيته، فقال: أخبرنى يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد، فقال: يا أبا ثعلبة و اللّه لقد سمعت أشياء أعرفها، و أعرف ما يراد بها، و سمعت أشياء ما عرفت معناها و لا ما يراد بها، قال الأخنس: و أنا و الذي حلفت به.
قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه بيته، فقال:
يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمّد؟ فقال: ما ذا سمعت، تنازعنا نحن و بنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، و حملوا فحملنا، و أعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الرّكب، و كنّا كفرسى رهان، قالوا: منّا نبىّ يأتيه الوحى من السماء، فمتى ندرك مثل هذه، و اللّه لا نؤمن به أبدا، و لا نصدّقه.
قال: فقام عنه الأخنس و تركه.
قال ابن إسحاق: و كان رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- إذا تلا عليهم القرآن، و دعاهم إلى اللّه، قالوا يهزءون به: (قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ) لا نفقه ما تقول: (وَ فِي آذانِنا وَقْرٌ) لا نسمع ما تقول: (وَ مِنْ بَيْنِنا وَ بَيْنِكَ حِجابٌ) قد حال بيننا و بينك (فَاعْمَلْ) بما أنت عليه (إِنَّنا عامِلُونَ) بما نحن عليه، إنّا لا نفقه عنك شيئا، فأنزل اللّه تعالى عليه في ذلك من قولهم: وَ إِذا قَرَأْتَ
..........