الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ١٨٩
..........
كالماء الجارى فى عروق الشجرة صعدا، حتى تحيا به عادة، فنسميه ماء باعتبار أوّليّته، و نسمى أيضا هذا روحا باعتبار أوليته، و اعتبار النفخة التي هى ريح، فما دام الجنين فى بطن أمه حيّا، فهو ذو روح، فإذا نشئوا كتب ذلك الروح أخلافا و أوصافا لم تكن فيه، و أقبل على مصالح الجسم كلفا به، و عشق مصالح الجسد و لذّاته، و دفع المضارّ عنه سمى: نفسا، كما يكتسب الماء الصاعد فى الشجرة من الشجرة أوصافا لم تكن فيه، فالماء فى العنبة مثلا هو: ماء باعتبار الأصل و البدأة، ففيه من الماء الميوعة و الرطوبة، و فيه من العنبة الحلاوة، و أوصاف أخر، فتسميه مصطارا [١] إن شئت، أو خمرا إن شئت، أو غير ذلك مما أوجبه الاكتساب لهذه الأوصاف، فمن قال: إن النفس هى الروح على الإطلاق من غير تقييد، فلم يحسن العبارة، و إنما فيها من الروح الأوصاف التي تقتضيها نفخة الملك، و الملك موصوف بكلّ خلق كريم؛ و لذلك قال فى الحديث: فمن الروح عفافه و حلمه و وفاؤه و فهمه، و من النفس شهوته و غضبه و طيشه، و ذلك أن الروح كما قدمنا مازج الجسد الذي فيه الدم، و يسمى الدم:
نفسا، و هو مجرى الشيطان، و قد حكمت الشريعة بنجاسة الدم لسرّ لعله أن يفهم مما نحن بسبيله، فمن يعرف جوهر الكلام، و ينزل الألفاظ منازلها، لا يسمى روحا إلا ما وقع به الفرق بين الجماد و الحى، و الذي كان سببا للحياة، كما فى الكتاب العزيز عند ذكر إحياء النطفة، و نفخ الروح فيها، و لا يقال:
نفخ النفس فيها إلا عند الاتساع فى الكلام، و تسمية الشيء بما يؤول إليه،
[١] مصطار بضم الميم: الخمر، و مسطار بكسر الميم و بالسين: الخمرة الصارعة لشاربها أو الحامضة أو الحديثة.