الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ١٦٨
..........
تلك المدينة تنازعوا قبل مبعثهم فى الأجساد و الأرواح: كيف تكون إعادتها يوم القيامة، فقال قوم: تعاد الأجساد كما كانت بأرواحها، كما يقوله أهل الإسلام، و خالفهم آخرون، و قالوا: تبعث الأرواح دون الأجساد، كما يقوله النصارى، و شرى بينهم الشرّ، و اشتد الخلاف، و اشتد على ملكهم ما نزل بقومه من ذلك، فلبس المسوح، و افترش الرماد، و أقبل على البكاء و التضرع إلى اللّه أن يريه الفصل فيما اختلفوا فيه، فأحيا اللّه أصحاب الكهف عند ذلك، فكان من حديثهم ما عرف و شهر، فقال الملك لقومه: هذه آية أظهرها اللّه لكم لتتفقوا، و تعلموا أن اللّه عز و جل كما أحيا هؤلاء، و أعاد أرواحهم إلى أجسادهم، فكذلك يعيد الخلق يوم القيامة كما بدأهم، فرجع الكل إلى ما قاله الملك، و علموا أنه الحق.
- تنازعوا فى أمر الفتية طائفتان. إحداهما: قالت ما يقوله المسلم الذي يكل الأمر إلى اللّه، و لا يعدو على الغيب. إذ قالت: «ابنوا عليهم بنيانا» و عللت الأمر بكلمة مؤمنة، لا تصدر إلا عن مؤمن، و هى قولهم: «ربهم أعلم بهم» و فى كل لفظة هنا إشراقة من نور الإيمان القوى باللّه. أما الآخرون، فقد و صفوا بغير ما يوصف به المؤمن التقى الخاشع، إذ وصفوا بأنهم: «غلبوا على أمرهم» فهم إذا أخذوا الأمر بالقهر و الغلبة دون ترو أو نزوع إلى معرفة أمر اللّه، أو انعطاف إلى خشوع. ثم اقترحوا مصممين على ما اقترحوا: «لنتخذن عليهم مسجدا» هكذا بالتوكيد و القهر المستعلى. و وازن بين اقتراح الأولين و هو بناء بنيان عليهم، أى:
سد باب الكهف تجده عملا إسلاميا، و بين اقتراح الآخرين، و هو اتخاذ مسجد، و اتخاذ المساجد على القبور أمر لعنه اللّه و رسوله، و هو أشمل من إقامة مسجد