مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ١٢١ - شفاء السقيم بمولد النبيّ الكريم
فقلت: أ لا تذرني حتى أشاور صاحبي، قال: بلى، فانصرفت إلى صاحبي فأخبرته فكأن اللّه قذف في قلبه فرحا و سرورا، فقال لي: يا حليمة خذيه، فرجعت إلى عبد المطلب فوجدته قاعدا ينتظرني، فقلت: هلمّ الصبي فاستهلّ وجهه فرحا فأخذني و أدخلني بيت آمنة فقالت لي: أهلا و سهلا و أدخلتني البيت الذي فيه محمد صلى اللّه عليه و سلم فإذا هو مدرج في ثوب صوف أبيض من اللبن و تحته حريرة خضراء راقد عليها على قفاه يغط تفوح منه رائحة المسك، فأشفقت أن أوقظه من نومه لحسنه و جماله، فدنوت منه رويدا فوضعت يدي على صدره فتبسم ضاحكا و فتح عينه ينظر إليّ فخرج منهما نور حتى دخل خلال السماء و أنا أنظر فقبّلته بين عينيه و أعطيته ثديي الأيمن فأقبل عليه بما شاء من لبن فحوّلته إلى الأيسر فأبى، و كانت تلك حاله بعد. قال العلماء: ألهمه اللّه تعالى أن له شريكا فألهمه اللّه العدل، ثم قالت حليمة: فروى و روي أخوه ثم أخذته بما هو إلى أن جئت به رحلي فأقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن فشرب حتى روي و شرب أخوه، فقام صاحبي- تعني زوجها- إلى شارفنا تلك فإذا إنها لحافل، فحلبا منها ما شرب و شربت حتى انتهينا ريّا و شبعا و بتنا بخير ليلة، فقال صاحبي حين أصبحنا: و اللّه يا حليمة إني لأراك قد أخذت نسمة مباركة، فقلت: و اللّه إني لأرجو ذلك. ثم خرجنا و ركبت أتاني و حملته معي عليها فو اللّه إنها قطعت بالركب ما يقدر على مرافقتها شيء من حمرهم حتى أن صواحبي يقلن لي و هي ورائي: يا بنت أبي ذؤيب و يحك اربعي علينا أ ليست هذه أتانك التي كنت عليها تخفضك طورا و ترفعك طورا آخر. فأقول لهن: بلى و اللّه إنها لهي، فيقلن: و اللّه إن لها لشأنا عظيما، قالت حليمة: و كنت أسمع أتاني تنطق و تقول: و اللّه أن لي لشأنا ثم شأنا شأني بعثني اللّه بعد موتي ورد لي سمني بعد هزالي، ويحكنّ يا نساء بني سعد إنكن لفي غفلة، و هل تدرين من على ظهري، على ظهري خير النبيين و سيّد المرسلين و خير الأولين و الأخيرين و حبيب رب العالمين.
روي أنها لما أرادت فراق مكة رأت تلك الأتان سجدت، أي خفضت رأسها، نحو الكعبة ثلاث سجدات و رفعت رأسها إلى السماء ثم مشت قالت: ثم قدمنا منازلنا بني سعد، و لا أعلم أرضا من أرضى اللّه أجدب منها فكانت غنمي تروح على حين قدمنا به شباعا لبنا أي غزيرات اللين فنحلب و نشرب و ما يحلب إنسان قطرة لبن و لا يجدها في ضرع حتى كان المقيم في المنازل من قومنا يقول لرعائهم: و يحكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، يعنونني، فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن و تروح غنمي شباعا لبنا. فللّه درّها من بركة كثرت بها مواشي حليمة و نمت و ارتفع قدرها به و سمت، فلم تزل حليمة تتعرف الخير و السعادة و تفوز منه بالحسنى و الزيادة.
لقد بلغت بالهاشمي حليمة * * * مقاما علا في ذروة العز و المجد