مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ١١٩ - شفاء السقيم بمولد النبيّ الكريم
الاثنين و رفع صلى اللّه عليه و سلم الحجر يوم الاثنين، ه، أي لما بنى قريش الكعبة سنة خمس و ثلاثين من مولده صلى اللّه عليه و سلم، و اختصموا فيمن يرفع الحجر إلى موضعه حتى أعدوا للقتال، ثم اجتمعوا في المسجد و تشاوروا فقال أبو أمية بن المغيرة- و كان أسنهم-: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول داخل من باب هذا المسجد- يعني باب بني شيبة- يقضي بينكم. فكان صلى اللّه عليه و سلم أول داخل، فقالوا: هذا الأمين رضينا. و أخبروه الخبر، فقال: «هلم إليّ ثوبا»، فأتي به فأخذ الحجر فوضعه فيه بيده ثم قال: «لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا» ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده صلى اللّه عليه و سلم.
و ذكر السهيلي: أن إبليس لعنه اللّه حضر معهم في صورة شيخ نجدي لما حكّموا النبي صلى اللّه عليه و سلم و قال لهم: قد رضيتم أن يضع هذا الركن الذي هو شرفكم غلام يتيم دون أن يضعه ذوو أنسابكم. فكاد يثير شرّا بينهم، ثم سكتوا. ثم إن حديث ابن عباس المذكور فيه إرسال صحابي لأنه لم يدرك ذلك و كان في الهجرة ابن ثلاث سنين و يؤخذ من هذا الحديث أفضلية يوم الاثنين على سائر أيام الأسبوع- أي إلّا يوم الجمعة- و الكلام في نظائر يوم الولادة لا فيه بنفسه فإنه أفضل من يوم الجمعة و من سائر المواسم، و قد كان يوم الجمعة معظما عند العرب، و يوم السبت عند اليهود، و يوم الأحد عند النصارى، فعظّم اللّه يوم الاثنين بولادة النبي صلى اللّه عليه و سلم فيه ليكون خاتمة الأيام المعظّمة كما أنه صلى اللّه عليه و سلم خاتم النبيين.
قال العارف باللَّه تعالى القطب مولانا أحمد التيجاني رضي اللّه عنه: تفكرت في اختصاص سيد الوجود صلى اللّه عليه و سلم بيوم الاثنين فتبين لي أنه لما كان هو الوجود الثاني لم يتقدمه إلا الوجود القديم و كذلك هذا اليوم هو الثاني من الأيام لم يتقدمه إلا يوم الأحد فلهذا كان تقلّب أطواره صلى اللّه عليه و سلم في يوم الاثنين، فيه ولادته و فيه هجرته و فيه دخوله لطيبة و فيه أرسل، و كذلك سيدنا آدم ٧ في اختصاصه بيوم الجمعة و تقلّب أطواره فيه لمناسبة وجوده فيه لأن سيدنا آدم هو الوجود الأخير و هو المعبر عنه عند العارفين بالتجلّي الأخير و اللباس الأخير و هذا اليوم هو الأخير من الأيام التي خلق فيها خلقه تعالى، خلق السماوات و الأرض في ستة أيام في اليوم السابع قال تعالى: ثم استوى على العرش على ما أراد و علم و لم يخلق فيه مخلوقا فلهذه المناسبة كانت أطوار سيدنا آدم ٧ من خلق و دخول الجنة و خروج منها و توبة فيه، و لا يلزم على هذا أفضلية يوم الاثنين على الجمعة لاختصاص أطوار سيد الوجود صلى اللّه عليه و سلم به، فإن التفضيل أمر إلهي لا علّة له و لا قياس، يفضل اللّه ما شاء بما شاء على ما شاء، فما سمع من التفضيل لمخلوق من خبر اللّه و خبر رسول اللّه فهو المفضل و ما لا فلا، انتهى.