مجموع لطيف أنسي في صيغ المولد النبي القدسي - د. عاصم الدرقاوي - الصفحة ١٢٠ - شفاء السقيم بمولد النبيّ الكريم
اللّهم صلّ على سيّدنا محمّد الفاتح لما أغلق
و الخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق
و الهادي إلى صراطك المستقيم
و على آله حق قدره و مقداره العظيم
هذا، و أول من أرضعه صلى اللّه عليه و سلم أمّه السيدة آمنة تسعة أيام. و عن القضاعي: سبعة أيام، و قيل ثلاثة، ثم أرضعته ثويبة الأسلمية مولاة أبي لهب التي أعتقها حين بشّرته بولادة النبي صلى اللّه عليه و سلم و كان إرضاعها له بإذن سيدها، أرضعته أياما قلائل بعد أمه و قبل قدوم حليمة.
رواه ابن سعد. ثم خصّ اللّه تعالى به السيدة السعدية حليمة التي فازت بجناية سعدها منه و كل غنيمة. ففي المواهب ذكروا أنه لما ولد صلى اللّه عليه و سلم قيل: من يكفل هذه الدّرة اليتيمة التي لا يوجد لمثلها قيمة، قالت الطيور: نحن نكفله و نغتنم خدمته العظيمة، و قالت الوحوش: نحن أولى بذلك ننال شرفه و تعظيمه. فنادى لسان القدرة أن: يا جميع المخلوقات إن اللّه كتب في سابق حكمته القديمة أن نبيه الكريم يكون رضيعا لحليمة الحليمة ه. و قد كان من عادة العرب إذا ولد مولود يلتمسون له مرضعا من غير قبيلتهم ليكون أنجب للولد و أفصح له.
قالت حليمة بنت أبي ذؤيب عبد اللّه بن الحرث، و قيل: الحرث بن عبد اللّه من بني سعد بن هوازن، فيما رواه ابن إسحاق و الطبراني و البيهقي و أبو يعلى و غيرهم: قدمت مكة في نسوة من بني سعد بن بكر نلتمس الرضعاء في سنة شهباء على أتان لي و معي صبي لنا- تعني ولدها عبد اللّه بن الحارث الذي كانت ترضعه حينئذ و الراجح أنه أسلم و عدّه في الصحابة الحافظ ابن حجر في الإصابة- و شارف لنا- أي ناقة مسنّة- و اللّه ما تبضّ- أي تدرّ- بقطرة و ما ننام ليلنا ذلك أجمع مع صبينا ذاك لا يجد في ثديي ما يغديه و لا في شارفنا ما يغديه. فقدمنا مكة فو اللّه ما علمت منا امرأة إلّا و عرض عليها رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فتأباه إذا قيل إنه يتيم من الأب، فو اللّه ما بقي من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعا غيري، فلما لم أجد غيره قلت لزوجي: و اللّه إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع لأنطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنّه، فقال: لا بأس عليك أن تفعلي عسى اللّه أن يجعل لنا فيه بركة. فذهبت- و في رواية قالت: فاستقبلني عبد المطلب فقال: من أنت؟ فقلت: امرأة من بني سعد، فقال: ما اسمك؟ فقلت: حليمة.
فتبسّم عبد المطلب و قال: بخ بخ سعد و حلم خصلتان فيهما خير الدهر و عزّ الأبد يا حليمة إن عندي غلاما يتيما و قد عرضته على نساء بني سعد فأبين أن يقبلن و قلن: ما عند اليتيم من خير إنما نلتمس الكرامة من الآباء، فهل لك أن ترضعيه فعسى أن تسعدي به؟