رسائل شيخ اشراق - شيخ اشراق - الصفحة ٤ - المقدمة لشمس الدين محمد الشهرزورى على كتاب حكمة الاشراق
و الشهوة و الغضب حجاب للنفس و منع لها فى الحال عن تحصيل العلوم؛ و على تقدير الحصول ايضا يتمكّن فى جوهر النفس محبّة هذا العالم الدنىّ و يستحكم لها العلاقة. و ذلك موجب للآلام زمانا و عدم خلوص اللذّات العقليّة. فاذا فارقت النفس البدن منقوشة بحقائق الموجودات و مرتسمة بها منقطعة العلاقة عن العالم السفلىّ او ضعيفة، عرج بها الى الملأ الاعلى و حصلت على الحظّ الاوفى ملتذّة بالجمال الأزلىّ و مسرورة بالبهاء الأبدى لكونها حصلت المناسبة الموجبة للانضمام، و قد قيل انّ الجنسيّة علة الضم. و ان فارقت بالعكس، فحالها يكون بالعكس.
و اذا علمت ان كمال الانفس بالعلوم النظريّة و انّ العلم بالحكمة العمليّة نظرىّ ايضا و انّ تهذيب الاخلاق انّما جعل لتتفرّغ النفس عن الشواغل و تصفو عن الموانع الصادّة عن الاستكمال، فالسعادة الانسانيّة مذوقة بتحصيل العلوم و لمّا كانت العلوم تنقسم بالقسمة الاولى الى قسمين: حقيقيّة و عرفيّة اصطلاحيّة، و اعنى بالحقيقيّة ما لا يتغيّر العلم به لعدم تغيّر المعلوم- لانّ تغيّر العلم تابع لتغيّر المعلوم فاذا كان المعلوم غير متغيّر فالعلم به كذلك-، و هذا كالبارىء تعالى و العقول و النفوس و الافلاك و الكلّيّات من العناصر و المركّبات. و امّا العلوم العرفيّة الاصطلاحيّة، فما يقابل العلوم الحقيقيّة، اعنى ما يتغيّر العلم (به) و يتبدّل بتبدّله و تغيّره، و هذا كالنحو و اللغة و الاشعار و الخطب و الرسائل و امثالها من الآداب، فانّها تتبدّل و تتغيّر عند اندراس تلك الامّة و الشريعة المخصوصة بتلك العلوم بلسانها. و اعظم الاسباب فى اندراسها زوال الملك عن تلك الامّة و الملّة و استيلاء المخالفين لها عليها، كما اندرس فى زماننا هذا نحو اليونان و لغتهم و اشعارهم و خطبهم و رسايلهم، و كذا العلوم المتعارفة التى كانت لفارس و القبط و بابل و غيرهم من الامم السالفة.