رسائل شيخ اشراق - شيخ اشراق - الصفحة ٥ - المقدمة لشمس الدين محمد الشهرزورى على كتاب حكمة الاشراق
و امّا علم الفقه فانّه علم سياسة المدن، فلكلّيّته لا يندرس و انّما يندرس بعض الفروع و تتبدّل الاحكام و تتغيّر و تنتقل من أمّة الى امّة، و كذا حكم اصول الفقه و ان كان فى هذا سرّ سنشير اليه فى ما بعد، ان شاء اللّه تعالى. و اذا علمت هذا، فاعلم انّ الكمال الحقيقىّ انّما يحصل بالعلم الحقيقىّ الثابت بحسب ثبات معلومه، ليكون المعلوم له مشاهدا لنفسه بعد المفارقة. و امّا ما لا ثبات له فلا يحصل مشاهدته بعد المفارقة، فلا يحصل به كمال حقيقىّ و ان كان قد يجوز ان يحصل به كمال وهمىّ.
و اذا تلخّص لنا انّ السعادة منوطة بالعلوم الحقيقيّة دون غيرها، فنقول انّ العلوم الحقيقيّة تنقسم الى قسمين: ذوقية كشفيّة و بحثيّة نظريّة. فالقسم الاوّل يعنى به معاينة المعانى و المجرّدات مكافحة لا بفكر و نظم دليل قياسىّ او نصب تعريف حدّىّ او رسمىّ، بل بانوار اشراقيّة متتالية متفاوتة بسلب النفس عن البدن و تتبيّن معلّقة تشاهد تجرّدها و تشاهد ما فوقها مع العناية الالهيّة.
و هذه الحكمة الذوقيّة قلّ من يصل اليها من الحكماء و لا يحصل الّا للافراد من الحكماء المتألّهين الفاضلين. و هؤلاء منهم قدماء سبقوا ارسطو زمانا كاغاثاذيمون و هرمس و انباذقلس و فيثاغورس و سقراط و افلاطون و غيرهم من الافاضل الاقدمين الذين شهدت الامم المختلفة بفضلهم و تقدّمهم. و هؤلاء و ان كان اكثر و كدهم الامور الذوقيّة، فلم يكونوا خالين عن البحث، بل لهم بحوث و تحريرات و اشارات منها تقوّى امام البحث ارسطاطاليس على التهذيب و التفصيل. و لهذا قال المعلّم الاوّل «انّ الاوّلين الذين تفلسفوا فلسفة الحقّ و ان أخطئوا فى بعض الامور الطبيعيّة، فقد احسنوا فى حلّ الامور الالهيّة.» و منهم متأخّرون تأخّروا عنه لكن هؤلاء كانت حكمتهم الذوقيّة ضعيفة جدّا، لان ارسطاطاليس شغلهم بالبحث و البسط