رسائل شيخ اشراق - شيخ اشراق - الصفحة ٣ - المقدمة لشمس الدين محمد الشهرزورى على كتاب حكمة الاشراق
كنه عظمتك عقول العقلاء و انطمست فى أدنى طبقة من انوارك افهام الفهماء؟
غرقت فى أبحر لجج سنا معرفتك الباب الألبّاء و خرست فى التعبير عن احوال ربوبيّتك ألسن الفصحاء و الخطباء. فلك الحمد على ما سألت من العطاء و دفعت من البلاء، و لك الشكر على ما أوليت من النعماء و جلوت البصر عن الظلمة و العماء حمدا يرفعنا عن حضيض الكدر الى أوج الانوار و الاضواء و مصدر الجود و السخاء.
و أشهد انّ لا اله الّا اللّه وحده لا شريك له شهادة تطهّرنا من دنس الطبايع و الاهواء و تجذبنا الى عوالم الفسحة و الفضاء. ثمّ الصلاة و السلام على ملوك حظاير القدس و رؤساء بقاع الانس لا سيّما المبعوث الى العرب و العجم المخصوص بالشرف و الكرم محمّد المصطفى افضل الانبياء و الاولياء و اعظم السالكين و الاصفياء صلّى اللّه عليه و على آله و اصحابه نجوم المهتدين و رجوم الشياطين و سلّم تسليما كثيرا.
امّا بعد فانّ المقصود من هبوط النفس الناطقة من العالم العلوىّ العقلىّ الى العالم السفلى الظلمانىّ لكى تستكمل بالعلوم و المعارف الحقيقيّة لخلوّها فى اوّل الأمر عن ذلك. و لمّا لم يمكنها الوصول الى تلك العلوم الّا بعد الكدّ و الاجتهاد فى زمان طويل، و ذلك لا يكون الّا بمعاونة البدن و قواه، و البدن لا يقوم الّا بالاغذية و الملابس و المساكن و ما يتبعها من الامور اللذيذة، فوجب ان يكون هذه الأشياء مقدّرة محدودة مضبوطة بالاعتدال لئلّا تخرج عنه الى احد طرفى الافراط و التفريط:
فتكون بالأوّل خارجة عن الحكمة التى لأجلها خلقت اللذّات البدنيّة و بسبب ذلك تقوّى علاقتها و يشتدّ ميلها الى عالم الغربة فتخرج بذلك عن الحكمة، و بالثانى يحصل اتلاف البدن الذى بقاؤه سبب لتحصيل الكمال المؤدّى الى الاتّصال. فلهذا احتجنا الى تهذيب الاخلاق ضمنا و تبعا، لانّ الاشتغال بالحواسّ الظاهرة و الباطنة