المبسوط الحج و العمره - القائني، الشيخ محمد - الصفحة ٣١٢ - تطبيقات لاعتبار الاصول والأمارات مع العلم بمخالفتها للواقع
ونظير الفتوى ما ورد في باب القضاء من حكم القاضي بكون الدرهم المردّد بين شخصين مقسوماً بينهما مع علمه تفصيلًا بعدم مطابقة حكمه ذلك للواقع؛ والإشكال فيه أصعب.
والحلّ واحد؛ وذلك لأنّ القضاء هو تطبيق الكبريات الفقهيّة وتعيين الصغريات خارجاً، فإذا كان مقتضى قاعدة الإنصاف بالغضّ عن التحاكم هو الحكم باشتراك الدرهم المردّد فكلّ من المحكوم لهما يَحتمل ملكه للحصّة التي حكم له بها؛ وهذا كافٍ في جواز التعبّد بالحكم الظاهري. نعم، لا يَحتمل ملكه وملك صاحبه؛ وهذا لا يمنع من جواز التعبّد لكلّ منهما، نظير التعبّد بطهارة العالمَين إجمالًا بالحدث. فإذا رفع الأمر إلى القاضي طبّق الفتوى بالشركة- التي لا محذور فيها- على المورد الخارجي.
فلنرجع إلى ما كنّا فيه من حجّية البيّنة لكلّ من يحتمل صدقها؛ ولا ينافي ذلك اعتقاد المفتي بذلك كون البيّنة خاطئة في شهادتها؛ كما لا ينافي الفتوى بحجّية البيّنة اعتقاد المفتي بخطأ البيّنة القائمة على الطهارة في مورد خاصّ.
ثمّ إنّ علم الحاكم بخطأ الشهود يكون على وجهين:
أحدهما: أن يعلم بعدم طلوع الهلال.
ثانيهما: أن يحتمل طلوع الهلال، ومع ذلك يعلم أنّ الذي شهدت به البيّنة خطأ؛ لأنّ الذي شهدته البيّنة لم يكن هو الهلال؛ كما لو علم الحاكم بأنّ الهلال على تقدير طلوعه كان ضعيفاً جدّاً بمقدار لا تتمكّن البيّنة الشاهدة من رؤيتها لضعف بصرها.