المبسوط الحج و العمره - القائني، الشيخ محمد - الصفحة ١٥٦ - تحديد وظيفة النائب
خاصّ بحيث لم يكن قاصداً للإحرام إذا كان المخرج له عن الإحرام الإتيان بالنسك على وجه آخر لم يكن عليه رعاية صحّة النسك في نظره؛ بل جاز له الاكتفاء بالصحّة في نظر الغير.
مثلًا لو قصد المعتمر حين إحرامه الاكتفاء بالطواف خارج الحدّ ولا يرى هو كفاية ذلك في صحّة العمرة، مع اعتقاد المنوب عنه الكفاية لم يكن بأس بالاكتفاء بالطواف الصحيح في نظر المنوب عنه؛ والسرّ في ذلك: أنّه غير متلبّس بالإحرام في نظره ليحتاج في خروجه عنه إلى طواف صحيح في نظره؛ فإنّ العمرة عمل مركّب ارتباطي، وما لم يكن المكلّف قاصداً لمجموع العمل لا ينعقد شيء من عمله، ولذا لو كان المصلّي عازماً في مبدأ صلاته على ترك بعض أجزائها لم تنعقد صلاته وإن بدا له فعل ذاك الجزء حين الوصول إلى محلّه.
نعم هناك حكم لمباشر الحجّ والعمرة وهو عدم جواز التجاوز من الميقات ولا دخول مكّة أو الحرم إلّامحرماً على وجه صحيح؛ فلو قصد الإحرام مقيّداً على وجه لا يعتقد صحّته لم يجز له التجاوز من الميقات ولا دخول مكّة.
كما أنّ قصده الإحرام على الوجه المقيّد إنّما يجوز ويتمشّى منه قصد القربة له إذا كان محتملًا لصحّته واقعاً وإن كانت الحجّة على عدم الصحّة؛ فإنّ ذلك لا ينافي تمشي قصد القربة، كما هو واضح [١].
[١] يمكن الإشكال في تقيّد وقوع العبادات بالقيد الذي قصده الفاعل، كما لو قصد شخص امتثال الأمر بالصلاة على تقدير مجيء ابنه وهو شاكّ في ذلك؛ فإنّه لا يقع امتثاله معلّقاً على تعليقه؛ بل يقع امتثاله فعلًا، حيث إنّ الصلاة ليست إلّاالأفعال الخاصّة مع قصد التقرّب؛ فإذا تحقّق ذلك كلّه وقع الامتثال، ولا أثر للتعليق. وعلى هذا الأساس لو قصد الفاعل أمراً لا واقع له على وجه التقييد صحّ عمله إذا كان العمل مأموراً بأمر آخر؛ كما لو قصد صوم عاشوراء بعنوانه ولم يكن صوم ذاك اليوم مطلوباً بخصوصيّته فإنّه يقع أصل الصوم امتثالًا وعبادة؛ وإن لم يكن امتثال الأمر العام بالصوم مقصوداً له؛ فإنّ المراد بالامتثال الصحّة ومطابقة العمل للأمر وإن لم يكن امتثال ذاك الأمر مقصوداً للفاعل.
وإن شئت قلت: إنّ صحّة العمل ليست أمراً قصديّاً، فلا معنى لتعليق الصحّة على تقدير إلّاإذا رجع التعليق إلى التعليق في أمر قصدي.
وعليه فما يصدر من بعض من تقييد قصد الإحرام بما يتلوه من النسك على وجه خاصّ كالطواف خارجاً عن حدّ المقام وذبح الهدي خارجاً من منى وما شاكل ذلك بحيث لو كانت الوظيفة هي خلاف ذلك لم يكن الإحرام مقصوداً من الأوّل، لا أثر له في تقيّد وقوع الإحرام على ذلك التقدير، بل ينعقد الإحرام مطلقاً، ولا يتحلّل المحرم حينئذٍ إلّابما قامت الحجّة على الخروج من الإحرام بسببه؛ حيث إنّ الإحرم ليس إلّاالتلبية مشروطاً بوقوعها في الميقات مع قصد التقرّب في ظرف الأمر به، وكلّ ذلك متحقّق في الفرض المتقدّم. وأمّا كون ذاك الأمر بعينه مقصوداً للفاعل فلا يقوّم الإحرام، وإنّما مقوّمه قصد القربة ولو بدون قصد ذاك الأمر.
نعم، ذكرنا في محلّه أنّه إذا أمكن فعلًا وقوع العمل على أكثر من وجه لتعدّد الأمر بعمل مشترك في الصورة يتعيّن في مثل ذلك قصد الأمر الخاصّ فلا يمتثل الأمر بدون ذلك؛ وذلك كالأمر بصلاة ركعتي الفجر ونافلته ومطلق النافلة وقضاء صلاة الفجر؛ فإنّ هذه أربع صلوات متّحدة في الصورة ولا يميّز بعضها عن بعض في مقام الامتثال عدا قصد أمره الخاصّ؛ يترتّب أثر العنوان الخاصّ بدون امتثاله الموقوف على قصد أمره؛ إذ بدون قصد الأمر الخاصّ لا مرجّح لوقوع العمل على بعض الوجوه، فيكون قصد الأمر في مثل ذلك مقوّماً للامتثال. وهذا بخلاف ما إذا لم يكن للعمل إلّاوجه واحد كصوم شهر رمضان؛ فإنّه يكفي لامتثال أمره قصد الصوم وإن لم يقصد عنوانه الخاصّ ما لم يكن قاصداً خلاف ذلك فإنّه يخلّ بقصد القربة ولا يتمشّى قصد التقرّب معه بعد العلم بعدم وقوع صوم غير شهر رمضان في هذا الشهر.
وبالجملة: ففيما أمكن وقوع العمل على وجوه لو لم يقصد الفاعل أمراً خاصّاً يلغى العمل كما لو كان عليه قضاء صلاة فجر ويمكنه فعل صلاة فجر أدائية، فلو صلّى ركعتين مردّدتين لم تقع قضاءً ولا أداءً.