الدر المنضود في احكام الحدود - الگلپايگاني، السيد محمد رضا - الصفحة ٦ - «كلمة المؤلف»
«يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَ نُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ»[١] اى باخباره إيّاكم هذه الحالة لتتحرّزوا عنها أم بغيره من النعم، فان وجه النعمة في إرسال الشواظ من النار و النحاس على الثقلين هو ما في ذلك لهم من الزجر في دار التكليف عن مواقعة القبيح و ذلك نعمة جزيلة انتهى.[٢] فلو لا النواهي و العقوبات لَاسترسل الإنسان في شروره و لما وقف عن فساده، بل لو لم يكن خوف عقاب الآخرة لغشيت العالم الرذائل و الأجرام، و تفاقم الاقدام على قتل النفوس و نهب الأموال و هتك الاعراض و الحرمات من كلّ من تمكن من ذلك، الّا القليل من ذوي النفوس الطاهرة العالية.
غير انّه ممّا لا يمكن إنكاره انّ هذا العامل مؤثّر في اجواء خاصّة و طبقات مخصوصة و هم الذين نفذ الايمان في قلوبهم، و اطمأنّوا بما وعد اللَّه تعالى من الثواب و العقاب.
إذا فالخطر غير مستأصل من أصله و أساسه، و لا شيء يمنع عن انتشار الجرائم، فلا بدّ من جعل عقوبة عاجلة تزجر الطبقات السافلة عن الاقدام على الشّر و الفساد.
و الشارع الحكيم لم يهمل هذه الجهة فقرّر عقوبات خاصّة على قسم من المعاصي، و يعاقب المجرم بها عاجلا قبل العقوبة الآجلة في الدّار الآخرة، و ليست هذه العقوبات الّا الحدود المقرّرة في الشرع على المعاصي المعيّنة، و التعزيرات على ما سواها.
و بتقرير آخر: انّ النفوس بالنسبة إلى طاعة اللَّه تعالى على ثلاثة أقسام، الأوّل: النفوس العالية القدسيّة المتّصلة بالملأ الأعلى.
الثاني: النفوس الشريفة المؤمنة بالآخرة.
الثالث: النفوس السافلة الّتي لم يرسخ الايمان فيها عميقاً.
أمّا الفئة الاولى فيكفي في ارتدادهم عن معصية اللّه سبحانه عرفانهم باللّه تعالى و انّهم رأوه مستحقّا للطاعة فلذا لا حاجة في هذا المجال لأكثر من ذلك.
و امّا الفئة الثانية الذين لم يبلغوا ذاك المقام الرفيع، فإنّ الذي يردعهم عن
[١] سورة الرحمن ٣٦- ٣٥.
[٢]- مجمع البيان ج ٥ ص ٢٠٥.