تعريب كامل البهائي - الطبري، عماد الدين - الصفحة ١٠١ - الباب السابع عشر في إمامة أبي بكر على عهد رسول اللّه
التقيّة في الشعب و في الغار كما أنّ فرار موسى من فرعون كان محض تقيّة فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ [١] و قال تعالى: فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ [٢] كما أنّ الأنبياء ما رسوا التقيّة كلّ بحسب ظروفه و ما صاحبنه من قرائن الأحوال، قال اللّه تعالى:
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [٣] و لَكُمْ دِينُكُمْ وَ لِيَ دِينِ [٤] و هذه عين التقيّة، و لا تنس الصلح يوم الحديبيّة [٥].
[١] الشعراء: ٢١.
[٢] القصص: ٢٠.
[٣] البقرة: ٢٥٦.
[٤] الكافرون: ٦.
[٥] سبحان اللّه! أخذ المؤلّف هذا كلّه من كتاب التعجّب و نحن نذكر عبارة التعجّب هنا لتمكّنك المقارنة بين القولين، قال الكراجكي: و من عجيب أمرهم قولهم كيف جازت التقيّة على الإمام و هو عندكم حجّة فيما فعل و قال به يقطع الخطأ من الصواب، و هم يعتقدون مع هذا أنّ في الأمّة جماعة هم الصفوة الأخيار، و الحجّة للّه على العباد، و بهم يعرف الحقّ و الصواب، و التقيّة عليهم جائزة إذا اعترضت الأسباب، فقد أقاموهم في كونهم حجّة مع الإمام، و أجازوا عليهم من التقيّة ما لم يجيزوا على الإمام، و هذا هو جور الأحكام.
و ربّما قالوا أيضا: إذا جازت التقيّة على الإمام فلم لا تجوز على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فإذا قرّبنا بينهما في هذا الباب قالوا ليس بصحيح لكم فرق لأنّ عندكم هما حجّتان.
إذا قيل لهم: أليس قد أجزتم التقيّة على الطائفة الأخيار و الصفوة الأئمّة الأبرار الذين قولهم بعد النبيّ حجّة في الحلال و الحرام فلم لا تجيزونها على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و هما عندكم حجّتان إن تعاطوا الفرق الذي عابوا نظيره و اضطرّوا للتشبّث بما أكروا إيراده.
و من العجب إنكارهم جواز التقيّة على الأنبياء (عليهم السلام) في شيء من الأحوال مع علمهم أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) استتر في الشعب و الغار و من قبله هرب موسى و أخبر اللّه تعالى أنّه قال: «ففررت منكم لمّا خفتكم» و كلّ قد اتّقى غيره من الأنبياء لكن القوم ليس من شأنهم الانصاف (التعجّب: ٢٤). فأنت ترى أنّ المؤلّف أخذ عبارات الكراجكي إلّا أنّه صاغها صياغة جديدة و نحى بها نحوا آخر فلم يحظ بإجادته و لا أفاد فائدته.