تعريب كامل البهائي - الطبري، عماد الدين - الصفحة ٣٥ - الفصل الثالث في أنّ عليّا لم يقدر على تبديل ما غيّروا عن أصله لخوفه من أصحابه و ترك محاربتهم
بكائهم ساعة علمهم بموته، و عمر مقبل على ملك عضوض و هو فرح به مستبشر، و طالب من القوم تهنئته على هذا النصر العظيم و هي لا تجامع الحزن فمن الحزم الحيلولة بينهم و بين البكاء لئلّا تفوته فرحة النصر على العدوّ و الفوز بالملك العقيم، و كان يستحي من الظهور بمظهر الجذل و الفرح فلا بدّ من افتعال هذه الزوبعة لتمرير غابته [١].
و أيضا إنّ أرذل القبائل قبيلة أبي بكر و عمر و كان قبل الإسلام بطّالا إذا أصاب طعاما أو شرابا على خوان أحدهم قصفه، أمّا أبو بكر فكان أحيانا عضروطا أو سمسارا أو معلّم فتيان عبادة الأصنام و أحيانا يبيع البزّ، فلمّا رفع من الرفش إلى العرش فلا بدّ من أن تعمّه الفرحة التي لا حدود لها، و هم يقولون: إنّ أبا بكر ألفت ذهن عمر إلى موت رسول اللّه بقرائة الآية إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [٢] فأقسم عمر كأنّه لم يسمعها قبل اليوم، و العجب من القوم أنّهم يقولن كان عمر معلّما لأبي بكر و كان أعلم منه و كان حلّ المعضلات التي تعترض أبا بكر على يديه ثمّ هو يجهل هذه الآية مع ادّعائهم أنّه كتب القرآن و جمعه و حين هلك ذهب تسعة أعشار العلم بهذه العبارة: «لمّا مات عمر ذهب تسعة أعشار العلم».
و قوله: إنّ رسول اللّه للّه شهيد علينا ألا يعلم أنّ هذه الشهادة في الآخرة لا في الدنيا.
[١] رحم اللّه المؤلّف حين يطمئنّ إلى هذا التوجيه البارد و الواقع أنّ موت النبيّ فاجأ عمر و أبو بكر صاحبه بالسنح فخاف أن يطول مكثه هناك فأراد أن يشغل الناس بهذه الفرية حتّى يعود صاحبه و لذلك لمّا عاد ابو بكر و تلا عليه آية «إنّك ميّت و إنّهم ميّتون» سكت عمر من تهديده و قال: كأنّي لم أسمع، نعم كان أعمى أصمّ و صاحبه في السنح أمّا الآن فقد عاد سميعا بصيرا، ألا لعنه اللّه و لعن صاحبه.
[٢] الزمر: ٣٠.