تعريب كامل البهائي - الطبري، عماد الدين - الصفحة ١١٥ - الباب التاسع عشر في غلوّهم في حبّ الصحابة
فينسبون المعصية إلى الأنبياء ليدرؤوا العيب عن الصحابة و يصحّحون أخطائهم، و يهوّنون معاصيهم و ذنوبهم، و يتمسّكون بالمتشابه من القرآن لدفع غائلة الشيعة عنهم، و ما علموا أنّ اللّه تعالى قال: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ [١]، و لا يرون العقل حجّة و يتمسّكون بآراء الرجال و بالقياس لقصور علمهم و كثرة جهلهم، و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في شأنهم: إنّ من أصحابي من لا يراني بعد ما يفارقني [٢].
و هم الذين تركوا خطبة النبيّ أثناء صلاة الجمعة كما قال تعالى: وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَ تَرَكُوكَ قائِماً [٣]، و كانوا يضحكون و يسخرون وراء رسول اللّه و هم في صلاة الجماعة.
و تقاعدوا عن حرب بدر و كرهوا القتال حتّى أنزل اللّه في حقّهم: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ* يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ [٤].
و كانوا بمكّة يستحثّون النبيّ على الحرب و الرسول يأبى، و لمّا نزل الجهاد في المدينة كرهوه و أبوه حتّى نزل قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَ قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ [٥].
و كانوا مصداق الآية التالية فقد كانوا أمام رسول اللّه يظهرون بمظهر الأمانة
[١] آل عمران: ٧.
[٢] سبق تخريج هذا الحديث بصيغه المختلفة.
[٣] الجمعة: ١١.
[٤] الأنفال: ٥ و ٦.
[٥] النساء: ٧٧.