تعريب كامل البهائي - الطبري، عماد الدين - الصفحة ٥٧ - الباب الثالث عشر في حالات الرسول
الحالة الخامسة: يوم الهجرة فقد نزل جبرئيل (عليه السلام) على النبيّ و قال: يجمع أربعون شخصا من قريش ليوقعوا بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فمر عليّا بالنوم على فراشك و بارتداء ردائك، و ليتمثّل بشكلك، و هذا دليل على إمامته من وجوه عدّة جليّة:
الوجه الأوّل: أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أمره ينام في مكانه في حال غيابه و لم تكن لأبي بكر هذه المنزلة، و بحكم قوله تعالى: وَ لا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا [١] لا بدّ من أن يقوم عليّ مقامه في غيابه الدائم.
الوجه الثاني الجلي: شبّه عليّ نفسه ليلتئذ برسول اللّه و لم تكن لأبي بكر تلكم المنزلة.
الوجه الثالث: إنّ اللّه تعالى حبى عليّا (عليه السلام) الصبر العظيم و قوّة العزم و الصلابة و الجلاد المتناهي الشدّة و هذه هي درجة الأنبياء: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [٢] و قال: وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا [٣].
و كان أبو بكر مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في الغار بمأمن عظيم و مع ذلك فقد أخبره رسول اللّه بسلامتهم و نجاتهم من القتل و هو خائف مضطرب و قد أمر اللّه العنكبوت فنسجت بيتها على فم الغار و نبت يمامتان عشّهما على فم الغار أيضا بوحي من اللّه تعالى، و كلا الأمرين لم يزيلا الخوف من قلب أبي بكر، فما زال يمزّق الهلع أحشائه و هو يضطرب، فتبيّن أنّ خوفه و اضطرابه ناشئان من عدم ثقته بوعد اللّه و رسوله له، و كان عليّ آمنا لثقته بوعد اللّه له، و كان الخصم و هو أربعون كافرا بأيديهم السلاح على مقربة منه يراهم و يرونه، فلم يطرق له الخوف جوفا، و بين
[١] الإسراء: ٧٧.
[٢] الأحقاف: ٣٥.
[٣] السجدة: ٢٤.