تعريب كامل البهائي - الطبري، عماد الدين - الصفحة ٣٣٩ - الفصل الثامن عشر الجلي في أهل الكوفة و دعوتهم للحسين
و تجنّب الطريق العام، فعطشوا في الطريق و مات الدليلان و نجى بحشاشة نفسه إلى أن وصل إلى موضع يقال له: المضيق من بطن الخبت، و كتب من هناك كتابا إلى الحسين و أرسله مع قيس بن فهر و أعلمه بحاله و ما جرى عليه و قال: إنّي تخوّفت من وجهي هذا و استعفى الحسين (عليه السلام)، و جائه الجواب: لا سبيل إلى ترك ذلك فهذه كتب أهل الكوفة لا تكاد تفارقنا و هي حجّة الرعيّة علينا، و قد تمّت.
فسار مسلم إلى الكوفة و نزل بدار المختار بن أبي عبيدة الثقفيّ، فاجتمع حوله الرؤساء و الأمراء و قاموا بإعزازه و إكرامه، و حملوا كتاب الحسين (عليه السلام) على رؤوسهم و بلغ النعمان بن بشير مجيء مسلم و هو في قصر الإمارة عامل على الكوفة من قبل يزيد، و بايع مسلم من أهل الكوفة ثاني يوم من نزوله فيها ثمانية عشر ألفا على أنّهم ينصرون الحسين و يحمونه من العدوّ، و إن أراد قتالا قاتلوا معه.
و أقبل النعمان بن بشير من قصره و صعد المنبر و شرع بتهديد القوم، و قال: إنّ جيش الشام على الأعتاب و هو حمل ثقيل عليكم، و يزيد هو وليّ المسلمين اليوم فأخشى أن ينالكم بأذى، فقال له عبد اللّه بن الحضرميّ: الملك عقيم فاقبض على مسلم واقتله، و كان النعمان حسن السيرة فأبى عليه ذلك، و كتب إلى يزيد كتابا يعلمه فيه بحال مسلم، فلمّا قرأ كتابه أسرع إلى نصب عبيد اللّه بن زياد مكانه، و كان هذا اللعين حاكما على البصرة، فولّاه يزيد على العراق كلّه، فاستخلف عبيد اللّه أخاه عثمان على البصرة و سار إلى الكوفة و معه عسكر مجر، و لمّا وصل الكوفة وصلها ملثّما على عادة العرب في أسفارها، فظنّه الناس الحسين بن عليّ (عليه السلام) فرحّبوا به و ما مرّ على ملأ إلّا خفّوا في وجهه قائلين: مرحبا بك يا بن رسول اللّه، و كان اللعين يردّ عليهم بإشارة السوط، فقال بعضهم: ليست هذه أخلاق الحسين.
فلمّا وصلوا إلى باب القصر حسر عن لثامه و قال: كم تقولون: ابن رسول اللّه، أنا عبيد اللّه بن زياد، أمرني يزيد على مصركم هذا و دخل قصر الإمارة و معه