تعريب كامل البهائي - الطبري، عماد الدين - الصفحة ١٩٢ - الفصل العاشر
و لقد كان أبو بكر أفقر بيت في أهل مكّه، و كان معلّما للأطفال آداب الجاهليّة، و كان سمسارا كما زعم الثعلبيّ و يبيع الكرابيس، و أبوه صيّادا، فمن أين جاءته هذه الثروة ليت شعري. و كان أكثر أهل مكّة قوم من الفقراء: وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ [١].
و لمّا تلى أمير المؤمنين سورة برائة على أهل الموسم و نهى المشركين من الطواف في الكعبة و منعوا من زيارتها، شكى أهل مكّة الفقر و قالوا: كنّا نؤمن حاجتنا من نفقات الزوّار فأعطاهم اللّه تعالى الجزية المستوفاة من اليهود و النصارى و جعل ذبح الهدي لازما، و أعطي للقانع و المعتر من فقرائهم.
و توجّه المدح من اللّه إلى فقراء المهاجرين في كلّ موضع أثنى فيه على الصحابة:
لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أَمْوالِهِمْ [٢]، و قال: تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً [٣] و قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [٤].
و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على المنبر في آخر عمره: اللهمّ هل بلّغت، و يظهر من قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) هنا أنّه لم يتوان عن التبليغ و لقد بلّغ الأمر و النهي و الحلال و الحرام و الشرائع بمجملها، فلا مجال حينئذ للقياس و الاجتهاد و الاستحسان و هي أمور باطلة و علل شرعيّة مندكّة في قوله تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [٥].
[١] التوبة: ٢٨.
[٢] الحشر: ٨.
[٣] البقرة: ٢٧٣.
[٤] المائدة: ٣.
[٥] المائدة: ٤٤.