تعريب كامل البهائي - الطبري، عماد الدين - الصفحة ٢٧ - الفصل الثالث في أنّ عليّا لم يقدر على تبديل ما غيّروا عن أصله لخوفه من أصحابه و ترك محاربتهم
و كذلك لم يطعه الناس في أشياء خالف بها عمر الإسلام و ردّها الإمام إلى واقعها، و كذّبوه إلى أن قال ذات يوم على المنبر: زعم قوم أنّي أكذب، فعلى من أكذب؟ أعلى اللّه؟ فأنا أوّل من عبده، أم على رسوله؟ فأنا أوّل من آمن به و صدّقه.
و كانت الجواسيس تراوح عسكره و تغاديه، تتجسّس عليه و تسرب أخبار عسكره إلى العدوّ، و طالما سألوه عن الشيخين لعلّهم يظفرون منه بكلمة يستيبحون بها دمه و أخيرا اتّهموه و أولاده بقتل عثمان بن عفّان، و لمّا كان عثمان قد أظهر الظلم و الجور و اتّفقت الأمّة على قتله و منهم المهاجرون و الأنصار و أزواج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فإنّهم بأجمعهم أفتوا بقتل عثمان بن عفّان، لذلك أمكن الإمام في هذه الحال أن يظهر جانبا من ظلمه و يمثّل للناس ما كان يرتكبه من المنكرات و الغشم و الجور، و هذا بعكس ما كان عليه الشيخان فقد سخط عليهما بعض الأمّة و لم يحصل إجماع الأمّة ضدّهما فما كان باستطاعة الإمام إلّا التفاعل مع الوضع القائم في دولته بل و عسكره خاصّة تجاه الشيخين.
و يمكن أن يقال أيضا: أنّ اللّه تعالى أمرنا بالجهاد و لم يفصل لنا العلّة، اللهمّ إلّا جانبا منها و هو صلاح الدين، و هنا يمكن أن نقنع بالإجمال من سكوت عليّ (عليه السلام) بأنّه لصلاح الدين و أهل الإسلام.
ثمّ إنّ النبيّ كفّ عن القتال في أيّام الحصار بالشعب و ما تلاه من الزمن قبل الهجرة و لمّا هاجر و وجد الأنصار و الأعوان قاتل و جاهد في اللّه حقّ جهاده.
و لقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لو لا قرب عهد الناس بالكفر لجاهدتهم، و كانت الأكثريّة من الأمّة مقلّدة و ليس في وسعها دفع الشبهة لو حدثت، و ربّما داهمهم