تعريب كامل البهائي - الطبري، عماد الدين - الصفحة ٣٤١ - الفصل الثامن عشر الجلي في أهل الكوفة و دعوتهم للحسين
الباب واقفا، فقالت: يا رجل، سقيتك ماءا فاذهب راشدا من هنا، فإنّ وقوفك على بابي في هذا الليل يدعو إلى الريبة، و نصحته ثلاث مرّات كلّما دخلت و خرجت، و كان مسلم ساكتا لا يحير جوابا، إلى أن قال لها: أنا غريب في هذا البلد، فهل لك في أجر و ثواب تبيتينني عندك هذه الليلة، فقالت طوعة: من أنت؟
فأخبرها بأمره، فأدخلته طوعة دارها و مهّدت له فراشا و آتته طعاما، فاعتذر عن الأكل، و طلب ماءا للوضوء و قال: هذه الليلة آخر عمري، و أحيا الليل كلّه.
و كان لطوعة ولد اسمه بلال من أصحاب عبيد اللّه بن زياد، فمضى هزيع من الليل حتّى رجع إلى البيت، فلامته طوعة على تأخّره في العودة، و قال: إنّ الأمير وعد بجوائز سنيّه لمن وجد مسلما و كنت جادّا في طلبه، و كانت طوعة تكثر من التردّد على مسلم، فاتّهمها بلال في وضعها المريب، فألحّ عليها لتخبره، فامتنعت أوّلا، و ما زال يلحّ عليها حتّى أخذت عليه العهود الموثّقة و المواثيق المغلّظة أن يكتم سرّها، ثمّ قالت له: أبشّرك بأنّ اللّه تعالى ساق لنا الخير كلّه، فهذا مسلم بن عقيل في بيتنا، و قد قسم اللّه لنا الشرف كلّه، فخبأناه في دارنا و سوف نسعد غدا يوم القيامة بشفاعة المصطفى و المرتضى و فاطمة الزهراء، و ننجو من عذاب النار.
فلمّا أصبح اللعين خرج مبادرا إلى عبيد اللّه بن زياد فأمّر محمّدا بن الأشعث على سبعين رجلا و قال له: اذهب و أتني بمسلم، فقصد ابن الأشعث دار المرأة طوعة، فلمّا سمعت صهيل الخيل و كان مسلم يعبد اللّه و يدعوه فعجّل في دعائه و أفرغ عليه لامة حربه و قال لها: لقد نلت شفاعة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)- يا طوعة- بإحسانك هذا، و لقد سنح لي عمّي أمير المؤمنين هذه الليلة و قال: إنّك قادم علينا غدا.
و بلغ الجيش باب الدار، فخاف مسلم أن يحرقوه عليهم، فأسرع مبادرا للخروج من الدار، و قتل من الأوباش اثنين و أربعين رجلا و هرب الباقون، و كان يمدّهم عبيد اللّه بن زياد ساعة بعد ساعة بالخيل و الرجال، و صاح بهم عبيد اللّه بن