تعريب كامل البهائي - الطبري، عماد الدين - الصفحة ٣٣٤ - الفصل الخامس عشر في سمّ معاوية الحسن
و خبأت السلّم، و لمّا استيقظ الإمام وجد الكوز على حاله و كان محتاطا من غدر جعدة، و لمّا شرب جرعات من الماء عاوده الألم بأكثر ممّا كان، فصاح بأعلى صوته يريد حسينا (عليه السلام)، فأوصاه بوصاياه و سلّمه سلاح رسول اللّه و أمير المؤمنين التي أودعاه عند الإمام، و حوّل إليه الإمامة و مقاليد الشريعة، و قال: أنا أعرف من هو الذي سمّني و لكن احذر أن تأخذ بريئا بدمي و أن تريق من أجلي محجمة دم، و خذني إلى قبر جدّي بعد تجهيزي، فإن منعوك أن تدفنني هناك عنده خذني إلى البقيع عند قبر خالي إبراهيم بن محمّد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و جدّتي فاطمة بنت أسد، و أراد الحسين (عليه السلام) أن يشرب ماءا من ذلك الكوز فانتزع الحسن (عليه السلام) من يده و ضرب بها الأرض فتكسّرت، و لمّا انفلق عمود الصبح ترك الوجود الفاني إلى الوجود الباقي، و فارق الدنيا إلى الرفيق الأعلى.
و لمّا فرغ الإمام الحسين (عليه السلام) من تجهيزه و وضعه على السرير، عزم على حمله إلى روضة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و هنا أحضر مروان من جند الشام الموجودين في المدينة خمسين ألفا من الرجال و أرسلهم إلى عائشة حتّى ركبت البغلة و تقدّمت الجيش و جرت بينها و بين الحسين (عليه السلام) و عبد اللّه بن عبّاس مناظرات حادّه، فقال لها عبد اللّه:
تجمّلت تبغّلت و لو عشت تفيّلت * * * لك التسع من الثمن و في الكلّ تملّكت
يوما على جمل تخرجين لحرب أبيه، و يوما تخرجين غلى بغل لحرب الولد، و ما نلتيه من اسم و شرف هو من عندنا كما قال اللّه تعالى: وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَ [١]، فتناولت عائشة القوس من مروان، و رمت الجنازة بسهم، و قالت: لا تدخلوا بيتي عدوّي و ابن عدوّي و أبعدوه عنّي، و فعل الحسين (عليه السلام) بوصيّة الحسن فحمله إلى البقيع و قال: لو لا وصيّة سبقت منه لدفنته مع جدّه و ليكن ما يكون، فلجأت تلك
[١] الأحزاب: ٣٣.