تعريب كامل البهائي - الطبري، عماد الدين - الصفحة ٢١٦ - الفصل الأوّل في بداية وقوع المحاربة بين أمير المؤمنين و بين الناكثين طلحة و الزبير و عائشة
عنده و قال أحدهما للآخر: إنّ رجلا يضبط الأمور على هذه الشاكلة ما هو بمستعملنا و لا بمعطينا شيئا نرضاه، إنّه يترسّم خطى الشرع و يأمرنا بالالتزام بالزهد و الصلاح.
فلمّا أصبح الصباح أقبلا عليه و استئذنا للعمرة، فقال أمير المؤمنين: إنّكما لا تريدان العمرة و لكن تريدان الغدرة، فأقسما أنّهما لا ينويان إلّا الزيارة، و كانا قد كتبا إلى عائشة مع ابن أختها عبد اللّه بن الزبير كتابا يأمرانها بلزوم تحريض الناس على حرب عليّ (عليه السلام)، و تحميلهم على نكث بيعته، و كانت عائشة دائبة على إغواء الناس و حملهم على قتال عليّ (عليه السلام) و الطلب بدم عثمان.
و صفوة القول أنّ الرجلين حلّا في مكّه و دعوا الناس لحرب عليّ (عليه السلام)، و جائهما عبد اللّه بن عامر والي مكّه من قبل عثمان و قبل دعوتهما و قال: أنا أكفيكم أمر البصرة و أجمع لكم من أهلها مائة ألف دينار نفقة لعسكركم.
فقال: انّ هذا بحدّ ذاته شيء جميل و لكن لا بدّ من وجود إمام نفيء إليه و يكون ردءا لنا و فئة، و لا يصلح لهذا الأمر إلّا عائشة، فإنّ لها شهرة و هي زوج محمّد، و إن أبت ذلك عائشة و قبضت نفسها عن إعانتنا فإنّ أمرنا لا ينفذ و غايتنا لا تتحقّق، فذهبوا إليها و خدعوها و رضيت بما عرضوا عليها و قالت: «بالرأس و العين» [١] ثمّ أقبلت عائشة و طلحة و الزبير إلى الحوأب [٢] (الحورب- المؤلّف) على وزن كوكب و هو ماء في طريق البصرة فنبحتها كلابه و أجراء الكلاب في بطون أمّهاتها [٣].
[١] كانت عائشة منذ البداية عازمة على الطلب بدم عثمان و هي التي حملتهم على ذلك و ليس الأمر بالعكس، بدا منها ذلك يوم أخبرت ببيعة عليّ فصرخت و اعثماناه، و هذا مشعر بما تخبئ في سرّها.
[٢] في المناقب: و هو ماء نسب إلى الحوئب بنت كليب (٢: ٣٣٦).
[٣] ترجم المؤلّف بهذه الكلمة لفظ «بني كلاب».