تعريب كامل البهائي - الطبري، عماد الدين - الصفحة ٢٠٤ - الباب الخامس و العشرون في ذكر عائشة و طلحة و الزبير على طريق الإيجاز
فسمع المفيد هذا فصبر قليلا حتّى انفضّ المجلس و بقي القاضي وحده فالتفت إليه الشيخ و قال: ألك حاجة أيّها الصبي؟ فقال: إن أذنت لي، فقال القاضي:
هات، فقال الشيخ: روي بأنّ طلحة و الزبير حاربا عليّا في البصرة فكيف كانت الحال و عليّ خليفة؟
فقال القاضي: أيّها الفتى، لا شكّ في وقوع الحرب و لكنّهم تابوا.
فقال الشيخ: أيّها القاضي، الحرب دراية و التوبة رواية، و العاقل لا يترك الدراية للرواية.
فقال القاضي: من أنت أيّها الفتى؟
فقال الشيخ: محمّد بن محمّد النعمان، فقال القاضي: أنت المفيد حقّا، فاشتهر الشيخ بالمفيد من يومئذ [١].
نأتي إلى حكايتنا: و لمّا قتل طلحة في الحرب بيد مروان لعنه اللّه فيكون تصوّر التوبة له من نوع المحال مع أنّ الخبر اشتهر عن أمير المؤمنين أنّه مرّ على طلحة فأمر بإجلاسه فلمّا فعلوا، قال: يا طلحة، وجدت ما وعدك ربّك حقّا و قد وجدت ما وعدني ربّي حقّا.
و قيل: لمّا مرّ به قال: لقد كان لك برسول اللّه صحبة لكن الشيطان دخل من منخريك فأوردك النار.
و كتب إلى عمّال الأقاليم عن الفتح بالعبارة التالية: إنّ اللّه قتل طلحة و الزبير على شقاقهما و بغيهما و نكثهما، فهزم معهما وردّت عائشة خاسرة .. [٢]. و لو كان للتوبة أثر في نفوسهم لم ينشر أمير المؤمنين هذا الكلام على الملأ.
[١] راجع لهذا كتابنا حجّة الشيعة الكبرى: ٣٥- ٣٧.
[٢] الفصول المختارة: ١٤٢.