البديع في علم العربية - ابن الأثير، مجدالدين - الصفحة ٣٦٧ - الفرع الثّاني في معاني هذه الحروف، و أوضاعها
من هذين، و إنّما تكون مستفهما عن واحد بعينه، بعد عدولك عن آخر تقدّم ذكره، كأنّك قلت: أعندك زيد؟ظانّا أنّه عنده؛ ليقف بك علي الحقيقة؛ فيقول:
لا أو: نعم/، ثمّ بدالك و صرت تظنّ أنّ الّذي عنده هو «عمرو» فأردت أن تترك الاستفهام عن «زيد» إلى الاستفهام عن «عمرو» ، فقلت: أم عندك عمرو؟ فذكرت لكلّ واحد منهما خبره، و كرّرت «عندك» ، و لم تقتصر على مرّة واحدة كما فعلت فى المتّصلة؛ للإضراب-فى هذه-عن الأوّل؛ فتصير مسألتين، فاحتجت إلى خبرين.
و تقع هذه المنقطعة مع الهمزة، إذا اختلف الخبران، نحو: أزيد فى الدّار أم عمرو فى السّوق؟و أقام زيد أم يقعد؟تقديره: بل أعمرو فى السّوق؟ و بل أهو يقعد؟.
و أمّا مجيئها بعد الخبر، فنحو قولهم: إنّها لإبل أم شاء، تقديره: بل أهي شاء، كأنّه رأى أشخاصا، فسبق إلى وهمه أنّها إبل، ثمّ شكّ فقال: أم شاء، فأضرب عن الأوّل المخبر عنه، و استأنف السّؤال عن الثاني، فصار كأنّه قال: بل أهى شاء؛ لأنّ قوله: إنّها لإبل، إخبار، ثمّ جاء بعده بالاستفهام حين اعترضه الشّكّ؛ فهي مقدّرة بـ «بل» و «الهمزة» ، كالأوّل، و مثله في التنزيل:
الم `تَنْزِيلُ اَلْكِتََابِ لاََ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ . `أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرََاهُ [١] و قوله تعالي: أَ فَلاََ تُبْصِرُونَ `أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هََذَا [٢] التقدير: بل أيقولون افتراه و ليست «أم» كالهمزة علي الإطلاق؛ لأنّك إذا قلت: إنّها لإبل أهى شاء، لم تكن قد عطفت الجملة الثانية علي الأولى، و إذا قلت: بل أهي شاء، كنت عاطفا.
[١] ١، ٢، ٣/السّجدة.
[٢] ٥١، ٥٢/الزخرف.
غ