البديع في علم العربية - ابن الأثير، مجدالدين - الصفحة ٣٦١ - الفرع الثّاني في معاني هذه الحروف، و أوضاعها
كقولك: خد من مالي درهما أو دينارا، فتحلّ له واحدا منهما بغير عينه، فإذا اختار أحدهما بقي الآخر على ما كان عليه من المنع، هذا في الأمر، فأمّا النّهي، فإذا قلت: لا تأخذ من مالي درهما أو دينارا، فالنّهي يتناول المنع من أخذ/الدّرهم و الدينّار؛ لأنّه يتناول منع ما أجازه الأمر، و هو: أحدهما، لا بعينه، و بقي الآخر على المنع الأوّل.
الثّالث: أن يكون فيها معنى الإباحة، و هو متعلّق بالأمر و النّهي، و يقارب معنى «الواو» في أحد أقسامها، تقول: جالس الحسن أو ابن سيرين فإن جالس أحدهما أو كليهما فقد امتثل الأمر؛ لأنّه لم يخيّره أن يجالس أيّهما شاء، إنّما أباح له مجالسة هذا الضرب من النّاس، و لو كانت «الواو» موضعها، و فعل أحدهما، كان مخالفا أمره؛ لأنّ «الواو» للجمع.
فأمّا إذا نهيته في هذا القسم، فقلت: لا تلبس قميصا أو جبّة، فلبس أحدهما، أو لبسهما كان مخالفا للنّهى، كما أنّه إذا جالس أحد الرجّلين، أو الرّجلين معا، كان طائعا، و متى ولي النّهى «أو «التي للإباحة، استغرق الجميع، كقولك: لا تأكل خبزا أو لحما أو سمكا؛ فإنّه يكون منهيّا عن الجميع، و منه قوله تعالي: وَ لاََ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً [١] ، فإنّه لا يجوز له طاعة أحدهما؛ لأنّ التقدير: لا تطع أحد هذين الصّنفين.
و الإباحة: تشبه التّخيير من وجه أنّه إذا جالس أحدهما كان مطيعا، و تفارقه من وجه أنّه إذا جالسهما معا كان مطيعا.
الرّابع: أن تكون للإبهام، إذا صدرت من العارف بما يريد، كقوله
[١] ٢٤/الإنسان.