المسائل الناصريات - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٧٦
قوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا [١] فنقلنا من الماء إلى التراب من غير واسطة، و أبو حنيفة يخالف هذا الظاهر، لأنه يجعل بينهما واسطة هي النبيذ.
و ليس له أن يقول: إن في النبيذ ماء، فمن وجده كان واجدا للماء، و لا يجوز انتقاله إلى التراب.
و ذلك أن ليس كل شيء كان فيه ماء، يطلق اسم الماء عليه، لأن الخل، و ماء الورد، و سائر المائعات فيها ماء و لا يطلق عليها اسم الماء، و يتيمم مع وجودها.
على أنه لو تناول النبيذ اسم الماء لدخل تحت الآية [كدخول الماء المطلق، و وجبت مساواة النبيذ الماء في حكم الآية] [١]، و يلزم جواز الوضوء بالنبيذ مع وجود الماء لأنه جار مجراه، و قد أجمعوا على خلاف ذلك.
على أن الأنبذة المسكرة عندنا نجسة، و لا يجوز الوضوء بها و هي نجسة، و ما ليس بمسكر منها فما دل على أن المائعات كالخل و ما أشبهه لا يجوز الوضوء بها يدل على أنه لا يجوز الوضوء به.
و قد استقصينا في كتابنا مسائل الخلاف بين سائر الفقهاء [٢] الكلام في أنه لا يجوز الوضوء بالأنبذة، و تكلمنا على خبر ليلة الجن [٣] و وصفناه، فمن أراد
[١] ما بين المعقوفين ساقط من (د) و (ط).
[٢] الكتاب غير متوفر لدينا، و سيأتي منه (قده) الإحالة على هذا الكتاب في كثير من استدلالاته. لاحظ على سبيل المثال الصفحات: ١٣، ٢٥، ٤٢.
[٣] و قد جاء في بعض ألفاظ هذا الخبر كما عن السنن الكبرى للبيهقي:
«عن ابن مسعود قال: أتانا رسول الله عليه السلام فقال: إني قد أمرت أن أقرأ على إخوانكم من الجن، ليقم معي رجل منكم، و لا يقم معي رجل في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، فقمت معه و معي إداوة من ماء. إلى أن قال رسول الله صلى الله عليه و آله لابن مسعود: هل معك من وضوء؟ قلت: لا. قال: فما ذا في الإداوة؟ قلت: نبيذ. قال:
تمرة حلوة و ماء طيب. ثم توضأ و أقام الصلاة. إلى آخره. قال النووي في مقام رده على هذه الروايات في كتابه (المجموع) ما نصه: و لقد أحسن و أنصف الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي إمام الحنيفة في الحديث، و المنتصر لهم، حيث قال في أول كتابه: إنما ذهب أبو حنيفة و محمد إلى الوضوء بالنبيذ اعتمادا على حديث ابن مسعود، و لا أصل له، فلا معنى لتطويل كتابي بشيء فيه. انظر: المجموع شرح المهذب ١: ٩٥، و السنن الكبرى للبيهقي ١: ٩، سنن الترمذي ١:
١٤٧- ٨٨، سنن أبي داود ١: ٢١- ٨٤، سنن ابن ماجة ١: ١٣٥- ٣٨٤، سنن الدار قطني ١: ٧٨- ١٦، مصنف ابن أبي شيبة ١: ٢٥.
[١] سورة النساء، الآية: ٤٣، و المائدة، الآية: ٦.