شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٤٤١
الحركتين لأنهما أعني الصاعدة و الهابطة أمران وجوديان يمتنع اجتماعهما في زمان واحد من جهة واحدة مع كونهما نوعين من جنس بينهما غاية الخلاف، و هذا بخلاف الحركة المستقيمة من نقطة من المسافة إلى نقطة مع الرجوع عنها إلى الأول لا بطريق الصعود و الهبوط فإنهما نوع واحد، و بخلاف المستقيمة و المنحنية أو المنحنيتين، و إن كانت إحداهما فوق، و الأخرى تحت، فإنهما ليستا على غاية الخلاف لأن بين كل نقطتين قسيا غير متناهية و العظمى أشد انحناء فأشد مخالفة. و لا يجوز أن يعتبر مطلق الانحناء لأنه لا يوجد في الخارج إلا في ضمن معين، و كل معين يوجد فما فوقه أشد مخالفة منه و هاهنا مواضع بحث.
الأول: إن القوس [١] التي تماس محدب الفلك المحيط في غاية الخلاف فالحركة عليها ينبغي أن تكون ضدا للحركة المستقيمة لصدق الحد بجميع شرائطه.
الثاني: إن الصاعدة و الهابطة المستقيمتين أيضا قد لا تكونان على غاية الخلاف كالصعود من وجه الأرض إلى النار، و الهبوط منها إليه لظهور أن الصعود إلى الفلك أشد مخالفة لذلك الهبوط، و الهبوط إلى مركز الأرض أشد مخالفة لذلك الصعود.
الثالث: إن ظاهر كلامهم هو أن المعتبر في تضاد الحركتين تضاد مبدأيهما، و تضاد منتهيهما جميعا، فالصعود و الهبوط من المركز و المحيط إلى حيز من الهواء مثلا لا يكونان متضادين لاتحاد المنتهى، و كذا الصعود و الهبوط منه إلى المحيط و المركز لاتحاد المبدأ، و قد صرح ابن سينا بأنه لا تضاد بين حركتي الماء بالطبع من فوق الهواء و من تحت الأرض لأنهما ينتهيان إلى نهاية واحدة، و لا يظهر لهذا سبب سوى ما ذكره الإمام: و هو أنهما ليستا على غاية التباعد، لأن البعد بين حركة النار و حركة الأرض أكثر من البعد بين صعود الماء من المركز و هبوطه عن المحيط (و على هذا لا يتحقق التضاد في
[١] القوس: يذكر و يؤنث و الجمع قسي، و أقواس.