شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٦
قلنا: سنورد من كلامهم ما يدفع هذا الإشكال.
و الجواب: أنه إن أريد بالإمكان، الإمكان الذاتي [١] اللازم لماهية الممكن، فلا نسلم أنه وجودي، بمعنى كونه أمرا محققا يستدعي محلا موجودا في الخارج، و قد مر بيان ضعف أدلتهم على ذلك، و إن أريد الإمكان الاستعدادي، فلا نسلم أن كل حادث فهو قبل وجوده ممكن بالإمكان الاستعدادي، لجواز أن يحدث من غير أن يكون هناك مادة و أمور معدة لها، إلى وجود ذلك الحادث، و لا يكون هذا من الانقلاب في شيء، لأن المقابل [٢] للوجوب و الامتناع هو الإمكان الذاتي، لا الاستعدادي، و في قوله المخالف له إشارة إلى التغاير بين الإمكانين، و ذلك من وجوه.
أحدها [٣]: أن الذاتي لا يقتضي رجحان الوجود أو العدم، بل كلاهما بالنظر إليه على السواء، و الاستعدادي يقتضيه، لأنه حالة مقربة للمادة إلى تأثير المؤثر فيها و إيجاد الحادث [٤].
و ثانيها: أن الاستعدادي يتفاوت بالقرب و البعد، فإن استعداد المضغة للإنسانية، أقرب من استعداد العلقة، و هو من النطفة، و هو من المادة النباتية، و هو من المعدنية، و هو من العنصرية، و هكذا حتى أن الهيولى الأولى أبعد الكل و لا كذلك الإمكان الذاتي. فإنه لا يتصور تفاوت و اختلاف في إمكان وجود الإنسان لماهيته، و ما توهم من تفاوته عند اعتبار التعلق بأمر خارج، كإمكان وجود الإنسان لماهيته بالنظر إلى العلقة و المضغة مثلا، فعائد إلى الاستعدادي.
و ثالثهما: أن الذاتي اعتبار عقلى و لا تحقق له في الأعيان بخلاف الاستعدادي، فإنه كيفية حاصلة للشيء، مهيئة إياه لإفاضة الفاعل وجود
[١] في (أ) بزيادة لفظ (الذاتي).
[٢] في (ب) القابل بدلا من (المقابل).
[٣] في (ب) أولها بدلا من (أحدهما).
[٤] في (ب) و اتحاد بدلا من (إيجاد).