شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٤٦
الحجر المدفوع إلى أسفل، فإن فيه مدافعة [١] هابطة يقتضيها الحجر إذا خلى و طبعه، و أخرى أحدثها فيه القاسر على حسب قوته و قصده، و لهذا يكون حركته حينئذ أسرع مما إذا سقط بنفسه فهبط، و تتفاوت تلك السرعة بتفاوت قوة القاسر، و منها ما ذكروا في بيان سبب أن الحجر الذي يتحرك صاعدا بالقسر، ثم [٢] يرجع هابطا بالطبع، أن حركته القسرية تشتد ابتداء و تضعف عند القرب من النهاية، و الطبيعية بالعكس، لأن ميله القسري يزداد ضعفا بمصاكات تتصل عليه من مقاومة الهواء المخروق، فيزداد الميل الطبيعي أعني مبدأ المدافعة قوة إلى أن يتعادلا، ثم يأخذ القسري في الانتقاص، و الطبيعي في الغلبة فيأخذ حركته في الاشتداد، و منها استدلالهم على وجود الميل الطبيعي بأن الحجرين المرميين بقوة واحدة إذا اختلفا في الصغر و الكبر اختلفت حركتاهما في السرعة و البطء و ليس ذاك إلا لكون المقاوم الذي هو الميل الطبيعي أعني مبدأ المدافعة في الكبير أكثر منه في الصغير، لأن التقدير عدم التفاوت في الفاعل و القابل إلا بذلك.
و أجاب الإمام: بأن الطبيعة قوة سارية في الجسم منقسمة بانقسامه فيكون في الكبير أكثر، و بزيادة المقاومة أجدر، و الفلاسفة يزعمون أنه أمر ثابت ليس مما يشتد و يضعف، أو يقل و يكثر في الجسم الواحد حتى إن [٣] طبيعة كل الماء و بعضه واحد، و لا يتبين الحق من ذلك إلا بمعرفة حقيقة ما هو المراد بالطبيعة هاهنا، و هم لم يزيدوا على أن الطبيعة قد يقال لما يصدر عنه الحركة و السكون أولا، و بالذات دون شعور و إرادة، و قد يقال لما تصدر عنه أمر لا تتخلف عنه، و لا يفتقر الصدور إلى علة خارجة عنه، كنزول الحجر إلى السفل، و قد يخص بما يصدر عنه الحركات على نهج واحد دون شعور، و قد تسمى كل قوة جسمانية طبيعة، و شيء من ذلك لا يفيد معرفة حقيقية، و أما إطلاقها على المزاج، أو على الكيفية الغالبة [٤] من الكيفيات المتضادة، أو على الحرارة الغريزية، أو على النفس النباتية، أو نحو ذلك [٥] على ما يذكره الأطباء فمختص بالمركبات.
[١] في (ب) بزيادة (فيه مدافعة).
[٢] في (ب) بزيادة لفظ (ثم).
[٣] في (ب) بزيادة لفظ (إن).
[٤] في (أ) العالية بدلا من (الغالبة).
[٥] في (أ) بزيادة لفظ (نحو).