شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٩٦
و هو النسبة إلى المكان أعني كون الشيء في الحيز، و للقوم في تحقيق مباحثه طريقان:
أحدهما للمتكلمين، و الآخر للفلاسفة، و للقدماء من المتكلمين في طريقهم شعب و تفاريع قليلة الجدوى، لا نطول الكتاب بذكرها، بل نقتصر على ما بهما. فنقول:
المتكلمون يعبرون عن الأين، أعني حصول الجوهر في الحيز بالكون و يعترفون بوجوده، و إن أنكروا وجود سائر الأعراض النسبية، و قد حصروه في أربعة أنواع هي الاجتماع و الافتراق و الحركة و السكون، لأن حصول الجوهر في الحيز إما أن يعتبر بالنسبة إلى جوهر آخر أو لا و على الأول إما أن يكون بحيث يمكن أن يتوسطهما ثالث، فهو الافتراق، و إلا فالاجتماع، و اعتبر مكان تخلل الثالث دون تحققه ليشمل افتراق الجوهرين بتخلل الخلاء، فإنه لا ثالث بينهما بالفعل بل بالإمكان.
و على الثاني: إن كان مسبوقا بحصوله في حيز آخر فهو الحركة، و إن كان مسبوقا بحصوله في ذلك الحيز، فالسكون، فيكون السكون حصولا ثانيا في حيز أول، و الحركة حصولا أول في حيز ثان، و أولية الحيز في السكون قد لا يكون تحقيقا بل تقديرا كما في الساكن الذي لا يتحرك قطعا، فلا يحصل في حيز ثان، و كذا أولية الحصول في الحركة لجواز أن ينعدم المتحرك في آن انقطاع الحركة، فلا يتحقق له حصول ثان.
فإن قيل: إذا اعتبر في الحركة المسبوقية بالحصول في حيز آخر لم يكن الخروج من الحيز الأول حركة مع أنه حركة وفاقا.
قلنا: إنما يلزم ذلك لو لم يكن الخروج من الحيز الأول نفس الحصول الأول في الحيز الثاني على ما صرح به الآمدي [١] و تحقيقه، أن الحصول الأول في الحيز الثاني من حيث الإضافة إليه دخول و حركة إليه، و من حيث
[١] سبق الترجمة له.