شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٧١
و المستوى حيث شابه المزاج الأصلي في عدم الإيلام، و ذلك لأنه عبارة عن الذي استقر في جوهر العضو و أبطل المقاومة، و صار في حكم المزاج الأصلي فلا انفعال فيه للحاسة، فلا إحساس فلا ألم، و أيضا المنافاة إنما تتحقق بين شيئين فلا بد من بقاء المزاج الأصلي عند ورود الغريب ليتحقق إدراك كيفية منافية لكيفية العضو فيتحقق الألم، و أيضا الدق [١] أشد حرارة من الغب لأن الجسم الصلب لا يتسخن إلا عن حرارة قوية، و لأنها تستعمل فيها مبردات أقوى مما يستعمل في الغب، و لأنها تؤدي إلى ذوبان مفرط من الأعضاء حتى الصلبة منها و صاحب الدق [٢] لا يجد من الالتهاب ما يجده صاحب الغب و ما ذاك إلا لكون سوء المزاج المتفق لا يحس به.
و أيضا المستحم في الشتاء يشمئز [٣] بدنه عن الماء الفاتر و يتأذى به، ثم إنه بعد ذلك يستلذه و يستطيبه ثم إذا استعمل ماء حارا تأذي به، ثم بعد ذلك يستلذه ثم إذا استعمل الماء الأول استبرده و تألم به، و ذلك لما ذكرنا .. و اعلم أن سوء المزاج المختلف قد لا يوجع بل لا يدرك بالكلية و ذلك إذا كان حدوثه بالتدريج فان الحادث منه أولا يكون قليلا جدا فلا يشعر به و بمنافاته، ثم في الزمان الثاني تكون الزيادة على تلك الحالة غير مشعور بها، و كذا في كل زمان.
و هذا بخلاف ما يحدث دفعة لكثرته يكون مدركا ثم [٤] يستمر إدراكه ما دام مختلفا.
(قال: و اعترض الامام الرازي بأن التفرق [٥] عدمي، و بأن من دوام الاغتذاء و التحلل تفرقا كثيرا في الأعضاء، و لا ألم و بأن الألم قد يتأخر عن التفرق كما في
[١] في (ب) الذوق و هو تحريف.
[٢] في (ب) الذوق بدلا من (الدق).
[٣] في (ب) يقشعر بدلا من (يشمئز).
[٤] في (أ) لم بدلا من (ثم).
[٥] الفرقة بالضم: الافتراق، و فرق بينهما فرقا و فرقانا: فصل. و قوله تعالى: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أي يقضى، و قوله تعالى وَ قُرْآناً فَرَقْناهُ أي فصلناه و أحكمناه، و قوله تعالى: وَ إِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ أي فلقناه، و قوله تعالى فَالْفارِقاتِ فَرْقاً أي الملائكة تنزل بالفرق بين الحق و الباطل.