شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٦٦
ثم قال: و الأقرب أن الألم ليس هو نفس إدراك المنافي و لا هو كاف في حصوله، لأن التجارب الطبية قد شهدت له [١] بأن سوء المزاج الرطب غير مؤلم مع أن هناك إدراك أمر غير طبيعي، و سنتكلم على ذلك، و زعم محمد ابن زكريا أن اللذة عبارة عن التبدل و الخروج عن حالة غير طبيعية [٢] إلى حالة طبيعية، و به صرح جالينوس [٣] في مواضع من كلامه، و هو معنى الخلاص عن الألم، و ذلك كالأكل للجوع، و الجماع لدغدغة المنى أوعيته.
و أبطله ابن سينا و غيره بأنه قد تحصل اللذة من غير سابقة ألم، و حالة غير طبيعية كما في مصادفة حال و مطالعة جمال من غير طلب و شوق لا على التفصيل و لا على الإجمال بأن لم يخطر ذلك بباله قط [٤] لا جزئيا و لا كليا، و كذا في إدراك الذائقة الحلاوة أول مرة، و قد يحصل ذلك التبدل من غير لذة كما في حصول الصحة على التدريج و في ورود المستلذات من الطعوم و الروائح و الأصوات و غيرها على من له غاية الشوق إلى ذلك، و قد عرض له شاغل عن الشعور و الإدراك قالوا: و سبب السهو أخذ ما بالعرض مكان ما بالذات، فان الألم و اللذة لا يتمان إلا بإدراك، و الإدراك الحسي خصوصا اللمسي لا يحصل إلا بانفعال عن العند [٥]، و لذلك متى استقرت الكيفية الموجبة لذلك لم يحصل الانفعال [٦] فلم يحصل الإدراك بل تحصل لذة و لا ألم.
[١] في (أ) بزيادة لفظ (له).
[٢] في (أ) بزيادة (طبيعية).
[٣] سبق أن ترجم له في هذا الجزء.
[٤] في (أ) بزيادة لفظ (قط).
[٥] في (ب) الضد بدلا من (العند).
[٦] انفعل مطاوع فعل، تقول: فعلت الشيء فانفعل، كقولك: كسرته فانكسر و قد أطلق أولا على إحدى مقولات أرسطو (أن ينفعل) و هي ضد مقولة (أن يفعل).
قال ابن سينا: الانفعال: هو نسبة الجوهر إلى حالة فيه بهذه الصفة كالتقطع و التسخن.
ر (راجع النجاة ص ١٢٨).
و قال الغزالي: هو نسبة الجوهر المتغير إلى الجوهر المغير فإن كل منفعل فمن فاعل و كل متسخن و متبرد فمن مسخن و مبرد بحكم العادة المطردة عند أهل الحق، و بحكم ضرورة الجلسة عند المعتزلة و الفلاسفة. و الانفعال على الجملة تغير و التغير قد يكون من كيفية إلى كيفية.