شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٦٥
الشيء قد يكون بحصول صورة تساويه، و نيله لا يكون إلا بحصول ذاته، و اللذة لا تتم بحصول ما يساوي اللذيذ، بل إنما يتم بحصول ذاته. و ذكر الوصول لأن اللذة ليست هي إدراك اللذيذ فقط، بل هي إدراك حصول اللذيذ للملتذ، و وصوله إليه، و الفرق بين الكمال [١] و الخير هو أن حصول ما يناسب الشيء و يليق به من حيث اقتضائه براءة ما لذلك الشيء من القوة إلى الفعل كمال له و من حيث كونه مؤثرا خير، ثم المعتبر كماليته و خيريته بالقياس إلى المدرك لا في نفس الأمر لأنه قد يعتقد الكمالية و الخيرية في شيء فيستلذ به، و إن لم يكونا فيه و قد لا يعتقدهما فيما تحققنا فيه فلا يلتذ به، و لهذا يحصل من شيء معين لذة، أو ألم لزيد دون عمرو و بالعكس، فكل من اللذة و الألم نوع من الإدراك اعتبر فيه إضافة إلى ملائم، أو مناف يختلف بالقياس إلى المدرك، و إصابة و وجدان لذات الملائم، أو المنافي من حيث هو كذلك لا للصورة الحاصلة منه، و بقيد الحيثية يندفع ما يقال: إن المريض قد يلتذ بالحلاوة مع أنها لا تلائمه بل تضره و ينفر [٢] عن الأدوية، و هي تلائمه و تنفعه، و ذكر الإمام بعد الاعتراف بأن اللذة و الألم حقيقتان غنيتان عن التعريف أنا نجد من أنفسنا حالة نسميها باللذة، و نعرف أن هناك إدراكا للملائم لكن لم يثبت لنا أن اللذة نفس إدراك الملائم أو غيره، و بتقدير المغايرة هل هي معلولة له، أم لا؟ و بتقدير المعلولية هل يمكن حصولها بطريق آخر؟.
[١] الكمال: مصدر كمل، و هو حال الكامل، و يطلق على ما يكمل به النوع في ذاته أو في صفاته، فالذي يكمل به النوع في ذاته يسمى بالكمال الأول لتقدمه على النوع، و الذي يكمل به النوع في صفاته يسمى بالكمال الثاني.
و الكمال الأول يسمى عند أرسطو (انتلثيا) و هو حال الموجود المتحقق بالفعل، أو هو الصورة أو العلة التي تخرج الشيء من القوة إلى الفعل و منه قول ابن سينا: النفس النباتية كمال أول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يتولد و يربو و يتغذى.
و النفس الحيوانية. كمال أول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يدرك الجزئيات و يتحرك بالارادة.
و النفس الإنسانية كمال أول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يفعل الأفعال الكامنة بالاختيار الفكري و الاستنباط بالرأي و من جهة ما يدرك الأمور الكلية.
(راجع النجاة ٢٥٨).
[٢] في (أ) تغيره و تينفر بدلا من (تضره و تنفر).