شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٥٤
و أجيب عن الأول بما سبق.
و عن الثاني: بأنا لا نشترط في المكلف به أن يكون متعلق القدرة بالفعل، بل بالإمكان كإيمان الكافر دون خلق الأجسام.
و عن الثالث بمنع تماثل القدرتين).
اختلفوا في أن الاستطاعة أي القدرة الحادثة على الفعل تكون قبله، أو معه.
فذهبت الأشاعرة و غيرهم من أهل السنة إلى أنها مع الفعل لا قبله، و أكثر المعتزلة إلى أنها قبل الفعل ثم اختلفوا في أنه هل يجب بقاؤها إلى حالة وجود المقدور، لنا وجوه [١]:
الأول: أن القدرة عرض، و العرض لا يبقى زمانين، فلو كانت قبل الفعل لانعدمت حال الفعل، فيلزم وجود المقدور بدون المقدرة، و المعلول بدون العلة، و هو محال، و لا يرد النقض بالقدرة القديمة لأنها ليست من قبيل الأعراض، و أجيب بعد تسليم امتناع بقاء العرض بأن المحال هو وجود المعلول بدون أن يكون له علة أصلا، و اللازم هو وجوده بدون مقارنة العلة بل مع سبقها، و استحالة ذلك نفس المتنازع، و لو سلم فيجوز أن تنعدم القدرة، و يحدث مثلها فيكون لها بقاء بتجدد الأمثال على الاستمرار في حال الفعل كما هو شأن العلم، و الميل و التمني، و نحو ذلك مما لا نزاع في جواز سبقها على
[١] يقول ابن حزم مناقشا فرق المعتزلة في قولهم: إن الاستطاعة كلها ليست إلا قبل الفعل. أخبرونا عن الكافر هل يقدر قبل أن يؤمن في حال كفره على الإيمان قدرة تامة أم لا؟ و عن تارك الصلاة هل يقدر قدرة تامة على الصلاة في حال تركه .. الخ فإن قالوا نعم هو قادر على ذلك كابروا العيان و خالفوا المعقول و الحس و أجازوا كل طاقة من كون المرء قاعدا قائما معا، مؤمنا باللّه كافرا به معا، و هذا أعظم ما يكون من المحال الممتنع. و إن قالوا: لا يقدر قدرة تامة يكون بها الفاعل للشيء هو فاعل لخلافة قالوا الحق و رجعوا إلى أنه لا يستطيع أحد استطاعة تامة يقع بها الفعل حتى يفعله.
(راجع الفصل في الملل و الأهواء و النحل ج ٣ ص ٣٥).