شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٤٣
السوية، أو مع ترجح أحدهما بحسب ما فيه من نفع راجح.
و أيضا لو صح ما ذكر لكان كراهة الشيء مستلزمة لإرادة ضده المشعور به فيلزم من إرادة الشيء الذي له ضدان أن يكون كل منهما مكروها لكونه ضد المراد، و مرادا لكونه ضد المكروه، و لا محيص إلا بتغاير الجهتين أو تخصيص الدعوى [١] بماله ضد واحد، و إذا جاز ذلك فتجويز إرادة كل من الضدين بجهة لا يصلح في معرض إبطالي حكم القاضي بالاستلزام المذكور لجواز أن يكون كل منهما مكروها أيضا بجهة، و إنما يصلح في معرض الجواب كما ذكرنا، حتى لو دفع بأنكم تجعلون متعلق الإرادة مقارنا لها، فيلزم من إرادة الضدين اجتماعهما كان كلاما على السند مع أنه ضعيف لأن القول بأن متعلق الإرادة الحادثة لا يكون إلا مقدورا للمريد مقارنا لإرادته حتى لا يتعلق بفعل الغير، و بالمستقبل، و يكون كل ذلك من قبيل التمني دون الإرادة مخالف للغة و العرف [٢] و التحقيق.
[١] الدعوى في اللغة: هي القول، تقول دعوى فلان كذا، و هي أن يقصد الإنسان إثبات حق له على غيره، و الإقرار عكسه، و هو إثبات حق الغير على نفسه.
و الدعوى عند أهل المناظرة تشتمل على الحكم المقصود إثباته بالدليل و إظهاره بالبينة، و القاصد أو المتصدي لإثبات الحكم أو لإظهاره هو المدعي، و خصمه هو المدعى عليه.
قال الغزالي: نسمي العلم التصديقي الذي هو نسبة بين مفردين دعوى إذا تحدى به المتحدي و لم يكن عليه برهان، و كان في مقابلة القائل خصم، فإذا لم يكن في مقابلته خصم سميناه قضية.
(راجع محك النظر ص ١٤، ١٥).
[٢] العرف: ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول، و تلقته الطبائع بالقبول.
(راجع تعريفات الجرجاني).
و هو قسمان: عرف عام، و عرف خاص، أما العرف العام فهو مجموع العوائد و التقاليد العامة المنتشرة في المجتمع، و أما العرف الخاص فهو مجموع ما يتعوده الفرد من أنماط السلوك.
و العرف: مرادف للعادة إلا أن القدماء يفرقون بينهما بقولهم: إن استعمال العادة في الأفعال، و العرف في الأقوال. أما المحدثون من الفلاسفة الغربيين فيفرقون بينهما بقولهم: إن العرف خارجي، و العادة داخلية و خارجية معا، و لذلك قال بعضهم: العرف لا يثبت إلا بالتكرار على حين أن العادة قد تثبت بمرة.