شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٣٠٠
المثال منتزعا من أمر خارج أو متحصلا ابتداء و سواء كان منطبعا [١] في ذات المدرك، أو في آلته، و المراد بالمشاهدة مطلق الحضور، و في قوله يشاهدها ما به يدرك تنبيه على انقسام الإدراك إلى ما يكون بغير آلة فيكون ارتسام الصورة في ذات المدرك، و إلى ما يكون بآلة فيكون في محل الحس، كما في الإبصار بحصول الصورة في الرطوبة الجليدية، أو في المجاور كإدراك الحس المشترك بحصول الصورة الخيالية في محل متصل به، و المراد بالمشاهدة مجرد الحضور على ما هو معناها اللغوي لا الإبصار و إدراك عين الشيء الخارجي على ما هو المتعارف ليلزم فساد التفسير، نعم تضمنت العبارة في جانب الإدراك العقلي تكرارا بحسب اللفظ كأنه قيل [٢] حضور عند المدرك حال الحضور عنده لأن ما به الإدراك العقلي هو ذات المدرك، و في جانب الإدراك الحسي تكرار بحسب المعنى حتى كأن هناك حضورين أحدهما عند المدرك و الآخر عند الآلة، و ليس كذلك بل الحضور عند النفس هو الحضور عند الحس و تحقيق المقام أنا إذا أدركنا شيئا فلا خفاء في أنه يحصل لنا حال لم تكن و تكاد تشهد الفطرة بأنها بحصول أمر لم يكن لا بزوال أمر كان و ما ذاك إلا تميزا و ظهورا لذلك الشيء عند العقل، و ليس ذلك بوجوده في الخارج إذ كثيرا ما ندرك ما لا وجود له في الخارج من المعدومات بل الممتنعات، و كثيرا ما يوجد الشيء في الخارج و لا يدركه العقل مع تشوقه إليه، بل بوجوده في العقل بمعنى أن يحصل فيه أثر يناسب ذلك الشيء بحيث لو وجد في الخارج لكان إياه، و هذا هو المعنى بحصول الصورة و حضورها و تمثلها و ارتسامها و وصول النفس إليها، و نحو ذلك، و لا يفهم من إدراك الشيء سواه و الاعتراض بأن الإدراك صفة المدرك و الحصول و نحوه صفة الصورة مما لا يلتفت إليه عند المحققين [٣] سواء جعلنا الإدراك مصدرا بمعنى الفاعل أو المفعول، و أما
[١] في (ب) منطبقا.
[٢] في (أ) قبل بالباء.
[٣] في (ب) عند المحصلين.