شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٩٩
المبحث الأول حقيقة الإدراك
(قال: و منها الإدراك [١]، و بيانه في مباحث:
المبحث الأول: لا خفاء أنا إذا أدركنا شيئا كان له تميز و ظهور عند العقل، و ليس ذلك بوجوده العيني إذ كثيرا ما يدرك و لا وجود أو يوجد و لا إدراك، بل يوجده العقلى، و هو المعنى بالصورة، فحقيقة إدراك الشيء حضوره عند العقل).
أي من الكيفيات النفسانية الإدراك، و قد سبق نبذ من الكلام فيه، و الذي استقر عليه رأي المحققين من الفلاسفة أن حقيقة إدراك الشيء حضوره عند العقل، إما بنفسه و إما بصورته المنتزعة، أو الحاصلة ابتداء المرتسمة في العقل الذي هو المدرك أو آلته التي بها الإدراك، و هذا معنى ما قال في الإشارات إدراك الشيء هو أن تكون حقيقته متمثلة عند المدرك يشاهدها ما به يدرك، على أن المراد بتمثل الحقيقة حضورها بنفسها أو بمثالها سواء كان
[١] الإدراك في اللغة هو اللحاق و الوصول، يقال: أدرك الشيء بلغ وقته و انتهى، و أدرك الثمر نضج، و أدرك الولد بلغ و أدرك الشيء لحقه، و أدرك المسألة علمها، و أدرك الشيء ببصره رآه، فمن رأى شيئا و رأى جوانبه و نهاياته قيل: إنه أدركه، و يصح: رأيت الحبيب، و ما أدركه بصري، فيكوى الإدراك بهذا المعنى أخص من الرؤية.
و الإدراك عند معظم الفلاسفة إما أن يكون إدراك الجزئي أو إدراك الكلي و إدراك الجزئي قد يكون بحيث يتوقف على وجوده في الخارج، و هو الحس، أو لا يتوقف و هو الخيال، و إدراك الجزئي على وجه كلي هو إدراك كلية الذي ينحصر في ذلك الجزئي.
(راجع لباب الاشارات للرازي ص ٧٤).