شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٥٨
و ما ذاك بحدوث تفرق في شفاف و نفوذ هواء فيه فإنه كان متفرقا منحلا في الخل، و لا لتقارب أجزاء متفرقة و انعكاس ضوء البعض إلى البعض لأن حده ماء القلى بالتفريق أولى، بل ذلك على سبيل الاستحالة، كما في الجص فإنه يبيض بالطبخ بالنار و لا يبيض بالسحق، و التصوفل [١] مع أن تفريق الأجزاء و مداخلة الهواء فيه أظهر، فظهر أن ابن سينا لم ينكر حصول البياض في الثلج، و زبد الماء، و مسحوق البلور، و الزجاج، و نحو ذلك مما لا سبب فيه سوى مخالطة الهواء بالمشف، بل ادعى حصوله بأسباب أخر بعد ما كان لا يعلم حصوله إلا بهذا السبب على ما قال في موضع من الشفاء [٢]. (لا أعلم هل يحصل البياض بسبب آخر أم لا؟ و كان صاحب المواقف فهم- و حاشاه عن سوء الفهم- من بعض عبارات الشفاء حيث يقول) [٣] و في بيان سبب البياض في الصور المذكورة: أن اختلاط الهواء بالمشف على الوجه المخصوص سبب لظهور لون أبيض و لرؤية لون هو البياض، إنه ينكر وجود البياض فيها بالحقيقة فنسبة إلى السفسطة [٤]، و مما استدل به في الشفاء على حصول البياض من غير اختلاط الهواء بالمشف أمران:
أحدهما: اختلاف طرق الاتجاه من البياض إلى السواد حيث يكون من البياض تارة إلى الغيرة [٥]، ثم العودية، ثم السواد، و تارة إلى الحمرة ثم القتمة، ثم السواد، و تارة إلى الخضرة ثم النيلية، ثم السواد فإنه يدل على اختلاف ما تركب عنه الألوان، إذ لو لم يكن إلا السواد و البياض، و لم يكن البياض إلا بمخالطة الهواء للأجزاء الشفافة، لم يكن في تركب السواد و البياض إلا الأخذ في طريق واحد، و إن وقع فيه اختلاف فبالشدة و الضعف.
[١] في (ب) و التصويل.
[٢] راجع توابع المزاج من المقالة الثانية من الفن الرابع من الطبيعيات و نص عبارته كما أوردها صاحب المواقف: «لا أعلم حدوث البياض بطريق آخر سوى الطريق التخيلي».
(راجع كتاب المواقف ج ٥ ص ٢٣٦).
[٣] ما بين القوسين سقط من (ب).
[٤] راجع لمحة عن (السفسطة) في الجزء الأول من هذا الكتاب.
[٥] في (أ) الغيرة و هو تحريف.