شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٣٩
من حال الجسم في أن له أبعادا ثلاثة متقاطعة على زوايا قوائم، و لكل بعد طرفان، و أما بحسب الحقيقة فالجهات متكثرة جدا، غير محصورة بحسب ما للجسم من الأجزاء عند من يقول بالجوهر الفرد، أو غير متناهية أصلا، بحسب ما يفرض فيه من الانقسامات عند من لا يقول به.
و بالجملة فالحقيقي من أنواع الاعتمادات الذي لا يلحقه التبدل أصلا اثنان هما: الثقل، و الخفة، أعني الميل الهابط و الصاعد، و كل منهما مطلق و مضاف، فالثقل المطلق كيفية تقتضي حركة الجسم إلى حيث ينطبق مركز ثقله، أعني النقطة التي تتعادل ما على جوانبها على مركز العالم كما في الأرض، و المضاف كيفية تقتضي حركة الجسم في أكثر المسافة الممتدة بين المركز و المحيط حركة إلى المركز، لكنه لا يبلغ المركز كما للماء، فإنه ثقيل بالإضافة إلى النار، و الهواء دون الأرض، و الخفة المطلقة كيفية تقتضي حركة الجسم إلى حيث ينطبق سطحه على سطح مقعر فلك القمر كما للنار، و المضاف كيفية تقتضي حركة الجسم في أكثر المسافة الممتدة بين المركز و المحيط، و حركة إلى المحيط، لكنه لا يبلغ المحيط كما للهواء.
(قال: و ليستا راجعتين إلى الرطوبة و اليبوسة، أو إلى كثرة أجزاء الجسم و قلتها على ما قيل، لأن الزق يسع من الزئبق أضعاف ما يسع من الماء، مع زيادته في الرطوبة، و تساويهما في الأجزاء، و إلا لكان في الماء فرج خلاء، نسبتها إلى الأجزاء نسبة وزن الزئبق إلى وزن الماء).
قال: و ليسا راجعين ما ذكرنا من كون الثقل و الخفة كيفيتين زائدتين على الجسم، غير متعلقتين بالرطوبة و اليبوسة، حيث كان الهواء خفيفا مع رطوبته، و الأرض ثقيلة مع يبوستها، هو رأي الجمهور، و ذهب الجبائي، إلى أن سبب الثقل الرطوبة، و سبب الخفة اليبوسة، لما يظهر بالنار من رطوبة الثقيل كالذهب، و ترمد الخفيف كالخشب، و رد بأن غايته ظهور الرطوبة و اليبوسة في بعض ما هو ثقيل، و خفيف من غير دلالة على تحققها قبل ذلك، و سببيتهما و عموم الحكم.