شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ١٩٩
لا خفاء في آنية شيء ينتقل الجسم عنه و إليه، [١] و يسكن فيه، و لا يسع معه غيره، و هو المسمى بالمكان، و المعتبر من المذاهب: أن ماهية السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوى.
و إليه ذهب أرسطو و أشياعه من المشائين [٢]، أو البعد الذي ينفذ فيه بعد الجسم، و يتجدد به، و إليه ذهب كثير من الفلاسفة و المتكلمين و زعموا أن من البعد ما هو مادي يحل في الجسم، و يقوم به، و يمتنع اجتماعه مع بعد آخر مماثل له، قائم بذلك الجسم، و هو المسمى بالجسم التعليمي، و منه ما هو مفارق لا يقوم بمحل، بل يحل فيه الجسم و يلاقيه بجملته، و يجامعه بعد الجسم منطبقا عليه متحدا به.
إلا إنه عند المتكلمين عدم محض، و نفي صرف، يمكن أن لا يشغله شاغل، و هو المعنى بالفراغ المتوهم، الذي لو لم يشغله شاغل [٣] لكان فارغا.
و عند بعض الفلاسفة: امتداد موجود قد يكون ذراعا، و قد يكون أقل، أو أكثر، و قد يسع هذا الجسم [٤]، و قد يسع ما هو أصغر منه، أو أكبر، و توضيحه أنا إذا توهمنا خلو الإناء من الماء [٥] و الهواء و غيرهما، ففيما بين أطرافه امتداد قد يشغله الماء، و قد يشغله الهواء، فكذا عند الامتلاء و يسمونه البعد المفطور. بمعنى أنه مشهور مفطور عليه البديهة، فإن كل أحد يحكم بأن الماء فيما بين أطراف الإناء و قيل بمعنى أنه ينشق، فيدخل فيه الجسم
[١] في (ب) بزيادة لفظ (و إليه).
[٢] المشّاءون: اسم لارسطو و أتباعه، إشارة إلى طريقة ارسطو في التعليم إذ كان يمشي و حوله تلاميذة، و من أشهر المشائين تاوفراسطوس الذي خلف ارسطو في إمامته و من الأتباع المتأخرين استراتون الذي قضى زمنا بالإسكندرية، و نهضت المدرسة حتى تولى أتباعها شرح فلسفة أرسطو.
[٣] سقط من (ب) لفظ (شاغل).
[٤] في (ب) يقع و هو تحريف.
[٥] في (أ) عن بدلا من حرف الجر (من).